يصر الصديق العزيز مصطفى عبيد على أن يبهرنا ويفجعنا، يبهجنا ويحزننا ويتلاعب بمشاعرنا بين الفينة والآخرى بعمل من أعماله التي يزينها بأسلوبه السلس وعباراته الممتعة وكلماته الرشيقة. وإذا كان عبيد صاحب الوجوه المتعددة في الكتابة والتأليف يأخذ قارئه فيما يكتبه في آفاق بعيدة، بين التاريخ والشعر والسير الذاتية، فإنه بعمله الأخير يكاد يلغي أي صفات له أخرى ليشق طريقه بثبات ليكون بحق الأديب والروائي المتميز في مجاله.
في روايته «نيتروجلسرين» التي زودها بعنوان آخر فرعي هو «أن تعيش لتقتل»، والتي صدرت مؤخرا عن دار «كيان» يصيبك عبيد بدوار وحالة من اللهاث في الجري وراء سطور حكايته لكي تمسك بالنهاية فتكتشف بنفسك بعد طول عناء أننا نعيش حالة من عبثية الحياة رغم كل ما يبدو من حكمة العيش فيها إلا أنها ليست سوى سراب!
وعلى منوال سابقين له مثل صنع الله إبراهيم في «ذات»، ويوسف زيدان في «جوانتانامو»، وعلاء الأسواني في «جمهورية كأن»، وعز الدين شكري فشير في «باب الخروج»، يمزج عبيد بين الخيال والواقع مزجا لا يمكنك الفصل بينهما، لكي يقدم لك عملا روائيا أشخاصه من لحم ودم تشعر وكأنهم أمامك تتفاعل معهم تحادثهم ويحدثونك.
ولأنه مولع بالتاريخ وبشكل خاص تاريخ مصر الحديث يلتقط عبيد شخصية حسين توفيق ذلك الفتي المولع بحب النضال دفاعا عن الوطن مقدما من خلاله، مسيرة الإحباطات التي عاشها وعاشها الكثير منا على امتداد أكثر من نصف قرن.
واعتمادا على وقائع حقيقية، واستنادا إلى مصادر مختلفة يرصد عبيد تلك التحولات في شخصية بطل الرواية ومصيره من نبل الغاية إلى سوء المنقلب، جعلت منه وهو الأب الروحي للمناضلين مجرد مفرخة حقد ومصنع كراهية!! لينتهي به المآل إلى كونه في نظر ذاته مجرد «بقايا إنسان ونصف مواطن وشظايا بطل».
إن حسين توفيق الذي بدأ حياته وهو في ريعان الصبا مقاوما للاحتلال الإنجليزي ساعيا لإخراجه من مصر، من خلال تأسيس تنظيم سري من أقربائه وذويه تتوه منه بوصلة النضال فيصبح دمية يتم استغلاله على يد السادات في قضية مقتل أمين عثمان، وحين يهرب أو يتم تهريبه إلى سوريا للإفلات من المحاكمة على هذه الجريمة، وينخرط في الكفاح ضد الصهيونية ونصرة فلسطين يصبح عميلا رغم أنفه للمخابرات السورية، ينفذ أهدافها دون أن يدري، وفي بعض الأحيان وهو يدري، ليدرك بعد فوات الأوان أنه موعود بالاستغلاليين وأنه في كل خطوة يخطوها على الطريق الذي يراه من أجل رفعة الأوطان إنما يخوض في مزيد من الوحل! بغض النظر عن مساعي السلوي التي يعزي بها نفسه من أن «الساسة ملوثون ضالون» وأنهم «كلهم كاذبون محتالون ويتاجرون بكل شىء الدين والأخلاق ومصلحة الوطن».
وإذا كان صحيحا تلك النتيجة التي توصل إليها حسين توفيق من أن الكل يتاجر بقضية فلسطين، وأن لعبة السياسة لا تعدو في النهاية سوى أن تكون نوعا من سلب الطغاة للسان الشعب لكي يتحدثوا هم براحتهم باسم هؤلاء المساكين، فإنه لم يكن استثناء من تلك القاعدة، حيث باع القضية حين تطلب الأمر أن يبيع، وحين راح يدافع عن نفسه في تهمة محاولة الانقلاب على نظام عبد الناصر بأن «الثوار لا يقتلون الثوار»، وحين راح يستجدي فيما بعد السادات بعدما أصبح رئيس جمهورية رغم كل المقت الذي كان يكنه له. وفي النهاية تحول إلى مجرد مجرم قاتل، تم تسويقه على أنه إرهابي بعد أن أدمن الديناميت وأصبح القتل جزءا من حياته! ليكتشف في النهاية لا جدوى من ركضه خلف البطولات الوهمية.
وقد تمكن عبيد من خلال قدرته على ربط الأحداث في حبكة درامية متميزة من أن يقدم لك رواية متميزة تمثل بحق نقلة في مسيرته الروائية التي شملت روايات «ذاكرة الرصاص»، «انقلاب»، و«البصاص»، ما ينبئ عن مستقبل مشرق لمبدع ما زال في ريعان شبابه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض