لم تكن مفاجأتي في اتصاله وهمومه التي راح يسكبها في الهاتف، كما يسكب الطفل الأبله اللبن على الأرض، وإنما في القرار الذي توصل إليه بعد تفكير في سعيه للخروج من مأزقه المادي. بتلقائيته المعهودة راح يخبرني بأنه مرعوب من فاتورة كهرباء يوليو رغم أنه ليس لديه سوى تكييفين وضع قواعد صارمة لاستخدامهما بحيث لا يزيد معدل الاستخدام اليومي لكليهما في الجملة على أربع ساعات.
شعرت بضعفه الإنساني حينما أخبرني بأنه شعر بقلة القيمة حينما راح يطلب قرضا من البنك فاستقبله موظف خدمة العملاء بالترحاب حينما علم أنه صحفي قيادي في مؤسسته وراح يعرض عليه قرضا يتم خصم مبلغ شهري منه يقدر بنحو 8 آلاف جنيه لو كان راتبه 25 ألف جنيه، انسحب كما الفأر المذعور في معركة غير متكافئة خوفا من أن يحرج نفسه بأن يخبر محدثه بأن راتبه لا يتجاوز الثلاثة آلاف بأي حالة من الأحوال. أخبرني عن شعوره بقلة الحيلة حينما طلبت منه ابنته في الجامعة أن يزيد لها مصروفها لكي تواكب غلاء المعيشة من 700 جنيه إلى ألف جنيه، فلم يجد سوى العبارة التي أصبح لا يجد غيرها : أجيب لك منين يا بنتي!
أخبرني بأنه شعر بأنه عاش في الوهم حينما اتصل بالتأمينات لكي يتابع مصير معاشه المستقبلي الذي يحل بعد سنوات معدودة على الأصابع، وهو الكاتب الكبير، فراح مدير المعاشات ينتفض طالبا منه الانتظار.. خليك على الخط.. يا فلان بك.. وحينما فتح الكمبيوتر ووجد راتبه متدنيا تراجعت هيبته في نظره وراح يكلمه بجليطة وتعال! كبر في نفسه تلك العبارة التي يرددها له ابنه ذو الاثني عشر ربيعا كلما تناقشا في أمر مادي حيث يقول له إنت اللي ظلمتنا يابابا فالكل يعاملني في المدرسة باعتبار أن أبي صحفي والآشية معدن، ولا يدرون ما فيها!!
حينما لمته لأنه رفض حل السفر كما فعلت، راح يخبرني بأن أموره حتى فترة غير قصيرة كانت على ما يرام، فقد كان لا يعدم أن يقدم موضوعا لهذه الصحيفة العربية أو تلك مقابل مبالغ مادية معقولة، كانت تعينه على مواجهة أعباء الحياة، فضلا عن المكافآت التي كان يتقاضاها مقابل الظهور في بعض الفضائيات للإدلاء بدلوه في القضايا التي يواجهها الوطن، كانت بالدولار وغيره مما أشعره بالغني والطفرة المادية، ولكن مواقفه السياسية وتراجع الفورة الإعلامية التي وصلت ذورتها طوال العقد الماضي سواء في ازدهار الفضائيات أو الصحف الخاصة انعكست عليه بالسلب فلم يعد له سوى راتبه وبدل التكنولوجيا بمجموع لا يتجاوز 4250 جنيها. راح يسألني كيف لرب أسرة لديه ثلاثة أولاد اثنان منهم في الجامعة وفي وضع اجتماعي مثل وضعه أن يعيش بمثل هذا المبلغ؟
حينما شعر أن لسان حالي يقول له ولماذا لا تواصل مسيرة تعزيز مصادر رزقك على النحو الذي كنت عليه، راح يلومني على تصوري بأنني قد أتيت له بالذئب من ذيله، أجابني بالقول وهل تتصور أنني لم أسعى، المشكلة أن نوائب الدهر اجتمعت علينا، فقد ارتفعت أعباء الحياة عنان السماء، في الوقت الذي تقلصت أو اختفت مصادر الرزق الأخرى.
أضاف : أزيدك من الشعر بيتا لكي تعلم أنك في برج عاجي، لقد عرضت علي قناة الجزيرة أن أواصل لقاءاتي معها وعندما لمسوا استشعاري الحرج كان اقتراحهم بأن يرسلوا لي مكافأتي بالدولار على أي اسم آخر أقترحه تجنبا لأي مشاكل ولكني رفضت، رغم ضيق ذات اليد وأنت تعرف المشاكل والتي أنا في غني عنها رغم أن كل دولار كان سيدخل في بيتي حلال وأنا في حاجة ماسة إليه.
حينما أبديت له حيرتي، راح يخبرني بالحل العبقري الذي انتهى اليه، لقد قرأ في أهرام اليوم - الجمعة الماضي - الإعلان الذي طالما استلفت نظره واحتل حيزا من اهتمامه واعتبره الحل السحري لمشكلته «ألف سبب يخليك تبدأ مع أوبر.. تنفع مع أي شغلانة ها تكون مدير نفسك « راح يقول لي ما المانع؟.. لقد قررت وسوف أتصل بالشركة لأرتب معها خاصة أن عربيتي حديثة بعض الشيء ومطابقة لمواصفاتهم، وأنا وقتي حر، فانا «قيادي.. وفاضي في الوقت نفسه!!» ولكن المشكلة كما أشار صديقي هي في طبيعة الراكب المصري الذي يرغب في الثرثرة، ولو أنني سايرته وعلى وقع ما قد يراه ثقافة عالية قد يشك في شخصي ويتصور أنني جاسوس زرعته إسرائيل لكي تتعرف على مواقف المصريين.
حينما بدا له صمتي راح يهدئ من روعي ويخبرني أنه يحاول أن يخفف عن نفسه بتلك الترهات. أخبرته بأن موقفه يذكرني بزميل قديم لنا كان والده صاحب محل إصلاح أحذية كنا نضحك معه بالقول بأنك في بطاقة التعريف الخاصة بك عليك أن تكتب : فلان الفلاني صحفي وإسكافي (يصلح أحذية).. فشر البلية ما يضحك!! ولكنه هذه المرة ضحك كالبكاء!!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض