الحكومة قررت رفع يدها عن تقديم الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، وإلغاء الدعم على السلع والنقل والخدمات الأخرى.. وهذا قرار نهائى ويتم وفق خطة مدروسة فى ظاهرها إصلاح وفى باطنها أن السلطة التنفيذية ستترك المصريين فريسة لاقتصاد السوق الذي لا يرحم الفقراء أبداً، وكل ما يقال عن برامج الحماية الاجتماعية شعارات براقة للاستهلاك الإعلامى.
كما ستتحول السلطة التنفيذية إلى رجل أعمال يتاجر بأموال المصريين التى تحصلها عن طريق الجمارك والضرائب وغيرهما من الرسوم، وبعد رفع أسعار المحروقات وإلغاء الدعم عن الكهرباء ومياه الشرب وانهيار المنظومة الصحية الحكومية ولجوء الناس رغم أنفهم إلى القطاع الخاص الصحى الذى تحول إلى غول لا يرحم أحداً، جاء الآن دور التعليم.
فالنظام الجديد الذى أعلن عنه وزير التعليم هو التجربة السادسة التى قامت بها الحكومات المتعاقبة فى العشرين سنة الأخيرة، وكل التجارب ألغيت بعد سنوات من تطبيقها من بداية إلغاء سنة سادسة إلى إعادتها إلى جعل الثانوية العامة على سنتين وإلغائها ثم «الافتكاسة» الأخيرة للوزير الحالى بأن تكون شهادة الثانوية العامة على مدار 3 سنوات.
والأعجب فى كلام الوزير أمران؛ الأول أنه سوف يقوم بوضع قانون لتقنين الدروس الخصوصية.. أى أن غير المشروع سيكون مشروعاً وهذا أشبه بالدول التى سمحت ببيع المخدرات فى الصيدليات فهى لم تقض على الإدمان وفشلت فى تنظيم بيعه، فمثل هذا القانون مع حكومة عاجزة على تنفيذ القوانين الموجودة وعاجزة عن تنفيذ مئات الآلاف من الأحكام القضائية النهائية لن تستطيع تقنين هذه الآفة لأن تقنينها يحتاج إلى تقليل الكثافة فى الفصول حتى يصل إلى النسبة العالمية ورفع أجور المعلمين وإحياء الضمير المهنى لديهم.
والأمر الثانى الغريب فى كلام الوزير أنه سيعمم فكرة المدارس اليابانية، ولا أعرف أين سيعممها وهل هناك مدارس جديدة أنشئت لهذا الغرض أم سنكرر كارثة المدارس التجريبية، وهى تجربة تمت بدعم من المعونة الأمريكية، وكان بمقتضى هذه المعونات تقوم الحكومة ببناء مدارس جديدة يكون التعليم فيها باللغة الإنجليزية إلا أن حكومة الحزب الوطنى قامت بتجديد المدارس القديمة وغيّرت اللافتة إلى مدرسة تجريبية ورفع قيمة المصروفات الدراسية إلى ما يقارب مصاريف المدارس الخاصة وشراء كتب اللغة الإنجليزية بمئات الجنيهات ومن مكتبات محددة، أى أن ولى الأمر هو الذى سدد التكاليف وليس المعونة الأمريكية.
وتم صرف مبالغ المنحة على مرتبات ومكافآت السادة البهوات فى الحكومة، بل تورط فى هذه الكارثة موظفون فى المعونة الأمريكية نفسها، وطالبنا كثيراً بفتح تحقيق نزيه وشفاف فى أين صرفت أموال المعونة الأمريكية فى شقها المدنى، لكن الجميع تجاهل هذه المطالب بمن فيهم الأمريكان أنفسهم.
فقضية المدارس اليابانية ستكون مثل المدارس التجريبية، مثل مدارس «مبارك كول»، لافتات على المدارس بلا تعليم، خاصة أن التدريب الذى تقوم به الوزارة للمعلمين مجرد تستيف أوراق بدون تزويد المدرس بمهارات حقيقية يستفيد منها.
والهدف من خطة الوزير هو تخلى السلطة التنفيذية عن التزام دستورى ودولى وهو مجانية التعليم، وتقديم خدمة تعليمية راقية وفق المعايير الدولية وسوف تنتهى خلال سنوات قليلة ما يعرف بمدارس الحكومة، بل سيتم طرح ما تبقى للخصخصة مثلما أرادت فى مستشفيات التكامل التى بنيت بمنح أجنبية فى قرى مصر ولم يتم حساب من بناها لأنه لم يوفر لها الأطقم الطبية لتشغيلها ولم تجد حتى الآن من يديرها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض