أوراق مسافرة
«لا يا بيه المبلغ اللى اتفقنا عليه ما ينفعش.. ما كنتش فاكر الشغل كتير كده» قالها بصوت بلطجة وأيضاً ملعنة وهو يهم بلم «عدة الشغل» ويتوقف عن إزالة درجتين من بقايا سلم قديم بحديقة المنزل «نظرت إليه بغيظ وإلى البيه زوجى الذى يكاد يمسك فى خناقه، وتذكرت أنه قبل نصف ساعة، كان هذا العامل يجلس بالقرب على الرصيف منذ الصباح وبجانبه عدة الشغل انتظاراً لإشارة أى شخص يطلبه فى عمل، وبجانبه أكثر من عشرين مثله ينتظرون أى فرصة، وإذا جاء من يطلب أحدهم، يتسابقون ويتشاجرون على أسبقية الذهاب، وقد تشاجر مع زملائه ليأتى معنا وهو يردد «حرام عليكم ليا أسبوع ما دخلتش على عيالى بجنيه».
لكنه ما أن دخل للمكان، حتى جال بعينين خبيرتين ثم رمانا بنظرة أدركتها، لقد أعاد تقييم الشغل وفقاً للمكان وليس وفقاً لما سيفعله وتم الاتفاق عليه، وقرر مضاعفة المبلغ، هذا وإلا سيرحل لنعود من جديد للبحث عن آخر وعمل اتفاق جديد، المهم دخلنا فى جدال وفصال وانتهينا الى إضافة 50% على الأقل إلى ما سبق الاتفاق عليه، ولم يتوقف عن التأفف والتمتمة مع كل ضربة «شاكوش».
هذا الأسلوب هو منهج ثابت للعمال والصنايعية فى التعامل مع المواطنين "نجار، سباك، كهربائى" وغيرهم، سيتفق معك على مبلغ بعد معاينة «الشغل» وما أن يبدأ العمل إلا ويركبه شيطان الطمع، وسيهددك بترك الشغل وتركك «لايص» فى المكان، ولا مفر من الرضوخ، وسيحكى لك بكائيات البطالة التى أكلت جيبه، وسيطعم قصته بزوجه تلد بالمستشفى ولا تجد تكاليف الولادة، أو ابن مريض لا يجد ثمن علاجه، أو أم يعولها وأربع أخوات، وستكون له بمثابة «الواد بلية» تناوله العدة، وتنظف خلفه، وتقدم له الشاى كل ساعة «ليعدل دماغه» ووجبة الغداء، وعندما توفيه أجرة كاملاً بعد الزيادات التى أضافها، سيقول لك بكل برود «طب والشاى بتاعى» ولأنك كريم وكمية الشاى التى ابتلعها لم تكفيه ستعطيه إكرامية الشاى الملعون، وويلك لو كان الشغل يتطلب أكثر من يوم، سيهرب منك فى اليوم التالى بعد أن يلهف أكثر من نصف مبلغ المقاولة، وسيغلق هاتفه، وسيأتى بعد أسبوع أو أكثر ومعه أعذار درامية أهونها أنه عمل حادثة أو حد قريبه مات، مع إنك لو مررت على المقهى القريب، ستجده بكل أكاذيبه عليك جالساً يشرب الشاى والشيشة، أو السيجارة المحشوة بالكيف.
إنهم عمال آخر مزاج، لا يشتغل أحدهم إلا إذا خلا جيبه من النقود، وإذا تقاضى مقدم المقاولة، سيختفى حتى ينفقها كلها أو يرتبط بعمل آخر ليقبض منه أيضاً مقدم ويتركك تحترق أنت وبيتك وكراكيبك، إنها فوضى الصنايعية، يعملون.. يتقاضون الأتعاب.. ينهمون العمل وفقاً لمزاجهم، لعدم وجود ضابط أو رابط لتشغيلهم، فى الدول الأوروبية هؤلاء يخضعون لمكاتب تقوم بتشغيلهم، ولا يوجد ما يسمى «صنايعى حر» العامل يأتى من شركته ومعه تسعيره للخدمات لا يتجاوزها، يرفض أن يشرب حتى كوب ماء، ولا يقبل إكراميات، ينظف مكان عمله بعد أن ينجزه فى الوقت المتفق عليه، وإذا حدث منه خطأ أو تجاوز، تتصل بشركته لمعاقبته، وسيتم تعويضك، لهذا يتقدمون ونتأخر، عمالهم يعيشون فى مستويات اقتصادية جيدة وعمالنا فقراء محتاجين وأسلوبهم كالمتسولين، عمالهم أصحاب خبرة، وعمالنا «فهلوية» يدعون خبرتهم فى كل شىء ولا يتقنون فى الواقع أى شىء.. مطلوب رقابة الدولة.. تدريب.. مكاتب تشغيل.. تسعيرة.. رفقاً بالمواطنين من عمال المزاج.