المصريون يعيشون فى عالم افتراضى .. منذ قرون ونحن نصفق لحكامنا فى العلن ونلعنهم فى السر .. هذا حال المصريين من أول عهدهم بالدولة منذ أكثر من أربعة الاف سنه .. استمرت حياة المصريين تمضى فى دروب التاريخ .. عذاب المصرى فى عالمه الافتراضى المسمى بالدولة جعله يتحايل على الواقع ويربى نفسه على «التقية السياسية» أى أن يخفى المواطن حقيقة موقفه ممن يحكمه ويتحكم بمصيره اتقاء لشره وكسبًا لرضاه.. هذه الثقافة موجودة فى واقعنا وعلى كل المستويات - الموظف مع المدير والابن مع أبيه والتلميذ مع المدرس والغفير مع شيخ البلد وشيخ البلد مع العمدة والكل مع الزعيم.. خطورة هذه الثقافة أنها تجعلنا نعيش فى عالم افتراضى فعلا مغاير ومجافٍ للواقع الحقيقى.. أخطر شىء أن يصبح الكذب هو قانون الحياة ومحركها.. أخطر شىء أن نقتل أخلاقنا واحترامنا لأنفسنا مقابل رغيف خبز وقطعة سكر والنوم كمدا آخر الليل.. أحقر شىء أن نفرغ مكبوتاتنا وعقدنا كل مساء بعادات تقتل فينا لساعات الشعور القاسى بالعجز الإنسانى.. ولأن الشعوب أطول عمرا من الحكام، فجريمة المجتمعات فى حق نفسها أبشع من جريمة الأنظمة فى حق المجتمعات..
العالم الافتراضى الآخر الذى يحياه المصريون يتمثل فى علاقتهم بالسماء وعرشها وهنا تتجسد الخدعة الكبرى.. نحن نذكر الله كثيرًا ونعمل ضد قيمه أكثر .. لقد غيبنا الله فى داخلنا عمدًا اغتناما لمصلحة أو طمعا فى مال أو خوفا من ذى سلطة .. الدولة التى تدعو لتجديد الخطاب الدينى تعلم أنها تفارق الواقع ولا تقصد الحقيقة لأنها هى نفسها ممثلة فى مؤسساتها الدينية تقمع العقل الجمعى لصالح تدين بديل منح رجال الدين توكيلات سماوية.. نوع من السمسرة الدينية يتم بموجبها استبدال أوامر الله ونواهيه بأوامر ونواهى الأولين والآخرين.. إلغاء العقل المعاصر لصالح عقل القرن السابع الميلادى .. اعتبار حياة صبايا قبائل بنى مضر وبنى ربيعة وبنى تميم هى الحياة المثلى التى يجب أن تلتزم بشكلها ومضمونها فتيات طب القاهرة وعين شمس والمنصورة والإسكندرية وأسيوط، وإن خالفت بنات القرن الحادى والعشرين صبايا قبائل القرن السابع فقد فجرن وخرجن عن الملة .. التدين البديل أن تخشى الله قولا لا عملاً.. أن تستبدل كتاب الله بكتب ابن تيميه واجتهادات الشافعى ومالك وابن حنبل.. تصوروا مثلا حال الذين اعتبروا الحرائق فى اسرائيل عقاب إلهى للقوم الذين طالبوا بمنع الأذان فى المساجد - يا ترى هل الله الذى انتقم من الإسرائيليين حسب تصورهم المريض هو نفسه الله الذى كان بيده أن ينجى الحجاج من الموت دهسًا ودفعًا حول الكعبة ومع ذلك لقى الآلاف منهم حتفهم وهم يحجون طوافا وسعيا؟
هناك خلط تاريخى بين الله فوق عرشه والله الذى بعقلنا ومن صنعنا، والنتيجة الطبيعية بعد أكثر من خمسة آلاف عام من البداية أن عالمنا كله نصف عالم. وأنا أتصور أننا حين ثرنا فى 25 يناير 2011 لم تكن ثورتنا فى حقيقتها على الرئيس الذى حكم مصر ثلاثين عامًا.. الذين خرجوا وثاروا وأنا واحد منهم، يبدو أننا ثرنا على ضعفنا وكذبنا وهواننا وليس على الرئيس بدليل أننا تخلصنا من قوة الرئيس وفشلنا فى التخلص من ضعفنا، استطعنا إسقاط عرش ولم نفلح فى إسقاط فكرة واحدة تافهة بروؤسنا.. تخلصنا من رجال الرئيس ولم نستطع أن نواجه وكيلًا واحدًا من وكلاء السماء الذين يجاهرون بالتحدث باسم الله. المشكلة ليست فى أننا دولة قديمة ولكن الأخطر أننا شعب قديم يتكاثر فى المكان ولا يتقدم فى الزمان..