أوراق مسافرة
لم أكن أتوقع حين بدأت قبل 15 أسبوعاً مقالتى «مصر للبلطجية» حول بلطجة العاملين بنادى الإعلاميين الاجتماعى على كورنيش النيل، وسوء المعاملة والخدمة وإجبارهم الإعلاميين عدم حمل أى مشروبات أو مأكولات وتفتيشهم من أجل عيون كافيتريا النادى الرديئة المبالغ فى أسعارها، لم أتوقع أن قلمى بغوصه فى مجتمعنا سيجد أن كل ما فى مصر أصبح يسير بالبلطجة، شوارعنا، الساسة والإعلام، وظائفنا، صحتنا، التعليم، أزماتنا، أراضينا، ديننا، أسواقنا، حتى حكوماتنا وصولاً إلى علاقتنا الاجتماعية حتى داخل أسرنا، نعم يا سادة صارت البلطجة تهيمن وتحكم علاقتنا، ما أن تسلم ساقيك إلى الشارع حتى تجد نفسك فى «خناقة» مع كل البشر، والكل يحاول أن «يبلطج» عليك، يمد يده لجيبك ليستنزف ما به، ويمد لسانه بالسباب إلى كرامتك، وعينيه إلى حرماتك، وقد تمتد يده لضربك فى أى مشكلة.
لو حاولت صعود أتوبيس أو ترام أو توك توك ستجد «بلطجياً» يدفعك ليأخذ مكانك، لو قررت ركوب تاكسى سيبلطج عليك السائق بتعطيل العداد ليلهف ما فى جيبك، ولو كنت محظوظًا ولديك سيارة، ستجد من «يبلطج» عليك و«يكسر» عليك ليخبط سيارتك ليسبقك بعجلة أو عجلتين، أمام المصعد فى عملك ستجد من يدفعك جانبًا ويأخذ مكانك لأنه «معذور» فى دقيقتين أو لشعوره أنه أهم منك، بعملك ستجد زميلك رفيق سنوات عمرك، يبلطج على مكانتك وعلى درجتك الوظيفة ليفوز بما هو حقك فى علاوة أو ترقية أو حوافز، إن عرجت إلى السوق، سيبلطج عليك بائع الخضار والفاكهة، وسيسرقك إما برفع السعر عما هو معروض أو فى الميزان أو بدس بضاعة تالفة، وستشعر فى كل خطوة خارج بيتك أنك فى خناقة، ناهيك عن صف المتسولين طوال طريقك، وويلك إن لم تمنح الجنيهات المقبولة لديهم، سينالك سباب قد يصل إلى التطاول باليد، فالمتسولون تحولوا لبلطجية يفرضون الإتاوات.
جيرانك.. ما عادوا يحسنون أبدًا العشرة ولا يصونون عيش أو ملح، سيبلطجون على مكان ركنة سيارتك، ويبلطجون على غسيلك بتراب سجادهم، وعلى راحتك بصوت التليفزيون أو حتى شجارهم لما بعد منتصف الليل، ولن يلقوا عليك حتى السلام إذا ما صادفتهم، فى بيتك ستجد نصفك الآخر يبلطج عليك بالطلبات ويفرض عليك ما ليس فى استطاعتك، وإن لم تستجب ستجد المشاحنات وجو النكد فى حياتك بلا رحمة أو مودة خرقًا لتعاليم أدياننا، وستجد نفسك فى خناقة يومية ببيتك لإثبات حقك كإنسان محترم له كيانه وحقوقه بالتساوى مع واجباته، أما أولادك فالله وحده الرحيم، طلباتهم فوق الطاقة، وأسلوبهم فى طلب حاجتهم والتعامل معك ليس له علاقة ببر الوالدين ولا بأى قاعدة إنسانية، سيخرجون للصحاب لوش الصبح مهما رفضت أو قلقت، ولن يفتحوا كتابًا من أجل مستقبلهم مهما نصحت واتحرق دمك، وسترى أنك بعد تعبك وشقاك كل هذه السنين أنجبت بلطجيًا صغيرًا تحت التمرين سيزداد بلطجة «ما شاء الله عليه» إذا ما كبر.
هذه هى مصر، وهذه هى علاقتنا.. جميعنا يسير إلى منحدر أخلاقى خطير، علينا أن نقف جميعا وقفة مع النفس، أن نتقى الله فالدين معاملة.. أن نعود إلى أخلاقنا الأصيلة وعلاقتنا التى كان يحكمها الود والرحمة والإخاء والإيثار، أن يحكمنا قانون نصنعه لأنفسنا.. قانون العيب فيحترم كل منا حقوق الآخر، ساعتها فقط ستعود مصر للمصريين، ولن تصبح أبدًا للبلطجية.