أوراق مسافرة
لا أعرف لما أصابتنى حالة من السكينة التامة أمام أزمة السكر، لم أشعر بالجزع وأنا أضع آخر ملعقتين لدى فى كوب الشاى بالنعناع الذى أعشقه فى المساء، وارتشف معه ذكرياتى فى الصبا والشباب.. أيام اللامسئولية والحرية والانطلاق، أيام لم تكن تخنقنا فيه الأزمات ولا تسجننا الحسابات والأرقام، فقد كان لنا أب وأم يتوليان عنا التعامل مع هذه الأزمات، وكانت هناك حكومات لا تسمح لتفاقم أى أزمات وتطوقها فى مهدها خاصة اذا كانت أزمات مخطط لها مسبقا ومفتعلة أو مبالغ بها لأهداف تخريبية لأمن واستقرار هذا الوطن الذى «ياما دقت على رأسه طبول» المهم إنى فوضت أمرى لله، وتحولت إلى شرب الشاى باللبن بلا سكر، مستعيضة عن الطعم السكر باللبن «رغم أن ما نشربه الآن من ألبان معلبة لم يعد لبنا على الإطلاق فبه مادة جيرية لها طعم البودرة المرة لا يعرف سرها سوى الله والمليارديرات أصحاب مصانع الألبان الذين أثروا على حساب تدمير صحتنا».
ما علينا.. نعود لأزمة السكر والتى تنبأت بها مبكراً الشاعرة كوثر مصطفى وغناها الكينج منير «يا سو يا سو.. حبيبى عايز سكر ومنين أجيبله سكر»، المهم يا سادة توقفت عن طلب السكر، ووجدتها فرصة لاستئناف مسيرة الرجيم وضبط معدلات السكر والضغط وشرايين القلب التى تعبت من كتر «المناهدة»، واعترف لكم أنى اكتسبت تلك العادة من أمى رحمها الله، كانت كلما سمعت عن وجود أزمة فى سلعة ما.. سكر أو أو أرز أو زيت أو ارتفاع مفاجئ ومبالغ فيه فى أسعار بعض الأغذية، أجدها فى ذكاء فطرى غريب تتحول عن هذه السلع إلى البدائل، فكانت تضع لنا العسل الأسود أو ما تيسر من عسل النحل «وكان رخيصا وليس فى جنون أسعار اليوم» على الأطعمة والحلويات والمشروبات التى تحتاج سكر إذا تفجرت أزمة للسكر، وتتحول إلى الفريك والمكرونة والبرغل والكسكسى الذى كانت تصنعه فى البيت إذا ما اشتجرت أزمة للأرز، أما جنون أسعار اللحوم فكانت بدائلها بروتين البقوليات.. البيض.. الأسماك بجانب المشروم أو عش الغراب وكانت تتفنن فى طهيه مع الخضراوات بالبصل كوجبة شهية كاملة لا نشعر معها بأى أزمة، نعم علمتنى أمى عادة «الاستغناء»، وهى عادة مستمدة من القناعة وحمد الله على ما أعطى وما أخذ والصبر فى البلاء والحاجة، الاستغناء عن الأشياء يجعلك راضياً قنوعاً، يجعلك مترفعاً عن التكالب والتزاحم فى الصفوف للفوز بالقليل مع كثير من الإهانة، حتى إن استغناءك عن احتياجك للبشر ومد يد الحاجة إليهم يضعك فى صفوف المكتفين المتعففين الذين يحسبهم الناس أغنياء.
لكن للأسف أغلب أهل بلدى يفعلون عكس ذلك، فبعض الماجورين أو المغرضين وأصحاب الأجندات يصنعون الأزمة لتحريك غضب الشعب، وآخرون يستغلون الأزمة بمنتهى البلطجة، من هؤلاء من يقفون فى طابور السكر مثلاً هم وأولادهم وأحفادهم وأبناء جيرانهم بعد استعارتهم للاستفادة بهم فى شراء أكبر عدد من الكيلوات وقد تحولوا إلى «زومبى» أو وحوش ضارية للفوز بأنصبة ليست من حقهم وتخزينها وكأننا فى سنوات عجاف، وليساهموا بدورهم فى تعميق الأزمة وتأليب الغضب الشعبى واستفزاز البسطاء وإظهار الدولة بالعجز.
استغلال أزمات مصر من قبل بلطجية السياسة والاقتصاد والمجتمع كارثة كبرى يجب التصدى الشعبى أولاً ثم الحكومى لها، البلد فى منعطف تاريخى واقتصادى خطير ويجب علينا جميعاً التنبه لما يحاك من خطط لتخريب وطننا من قبل بلطجية الأزمات ..حمى الله مصر شعباً وجيشاً. وللحديث بقية.