أوراق مسافرة
لو دخلت أحد أسواقنا الشعبية أو مررت على بائع متجول ووجدته معلقاً ورقة «حقيرة» عليها سعر كيلو البطاطس بـ4 جنيهات وكيلو الموز مثلا بـ6 جنيهات لا تتفاءل لأنك حين تهم بالشراء ستفاجأ أن السعر مختلف، إما الضعف أو أزيد اثنين أو ثلاثة جنيهات على الأقل، وحين تسأله عن السعر المعلق سيقول لك بكل بلطجة وجبروت «السعر ده للشوية دول» وسيشير لك إلى بضاعة تالفة راكنها على جنب لا تصلح للاستهلاك الآدمى، وعليك إما أن تزفر فى ضيق وتغادر أو تضطر للشراء بالسعر الجديد كسباً للوقت واختصاراً لمزيد من حرق الأعصاب، لأن الصورة ستجدها متكررة بكل أسواقنا فى مصرنا المحروسة.
وإذا طلبت منه أن يزن لك كيلو، سيزن لك اثنين أو أكثر ويقول لك خد اثنين يا بيه ده سعر فرصة، وإذا أصريت على الكيلو، سيبرطم وقد يشتم، وأقلها سيرميك بنظرة احتقار تقليلاً من شأنك لأنك لا تشترى كل العربية، وويلك إذا ما جرؤت لانتقاء ما تريد، سيقول لك فى خشونة وحسم «مفيش نقاوة كله على بعضه يا بيه» وذلك رغم السعر المبالغ فيه، وإذا أصررت على أن تنتقى ما تريد، «سينتش» السلعة من يدك، وقد يتطور الأمر إلى ما هو أكثر، مشادة أو مشاجرة أو على الأقل تلاسن وسباب.
هؤلاء هم بائعونا، بلطجية «إلا من رحم ربى» لا ذمة فى البيع ولا ضمير ولا أخلاق، وأذكر مقلباً ظريفاً أضحكنى وأحزننى فى نفس الوقت، وقفت لشراء «شمامة» من الشمام التقليدى القديم وأنا فرحانة أنى وجدته أخيراً بعد أن طغت عليه الأنواع المهجنة، المهم أن الراجل كان عارضاً كالعادة سعراً بخساً، وحين أردت الشراء قفز السعر إلى 25 جنيهاً للواحدة، ولأن النفس أمارة بالسوء قلت مش مهم السعر، ووجدته يبرر المبالغة فى السعر بقوله «ده نوع بلدى عسل يا مدام» وإذا به يكشط جزءاً صغيراً من الشمامة التى سأشتريها ويقسم بالطلاق أن أتذوقها، وبالفعل استجبت حتى لا يطلق أم الولاد المسكينة، والشهادة لله وجدتها "عسل.. عسل"، فشعرت بالراحة أن فلوسى راحت فى مكانها ومنيت نفسى بطعمها وهى خارجة من الثلاجة، غير أن ما حدث بعد ذلك مخيب للآمال، ما أن فتحت الشمامة فى مطبخى، حتى وجدتها «ضاربة» أى حمضانة من الداخل، وتذوقت طعمها، لأجد أن «الخيار» له طعم مسكر عنها، استغربت، "أمال القطعة اللى قطعها ودقتها من إيده كانت إيه.. كانت مغموسة بالسكر يا سادة، فالخدعة أنه بيكشط قطعة صغيرة من الشمامة، ويغمسها سكر ويغطيها مرة تانية بالقشرة، وعندما يأتى الزبون «اللقطة»، يقسم عليه أن يتذوقها، ليكتشف الزبون الخدعة فيما بعد، الحقيقة أعجبت بذكاء البائع المخادع، وحزنت كثيراً لأن أبناء بلدى الباعة يستخدمون ذكاءهم فى الخداع والسرقة والكسب الحرام، بدلاً من توظيف ذكائهم فيما هو ينفع ليبارك الله لهم فى رزقهم، هذا جزء من كل، متاجرنا تبيع لنا المنتجات التالفة بأسعار خيالية، يقلدون الماركات العالمية تحت سمع وبصر وزارات الصناعة والتجارة والتموين ويضعونها على منتجات بشعة وخامات رديئة، ويخدعون المواطنين لملء خزائنهم.. يا سادة مطلوب يقظة ضمير وخوف من الله، مطلوب رقابة على الأسواق.. على المتاجر، مطلوب دعم أكبر لجهاز حماية المستهلك ليقوم بدوره كاملاً ليحمينا من بلطجية الأسواق.. وللحديث بقية.