فى عام 1945 التقى الرئيس الأمريكى روزفلت الملك عبدالعزيز آل سعود – أول ملوك الدولة السعودية الحديثة - على ظهر الطراد الأمريكى كوينسى بالبحيرات المرة وقت غروب شمس بريطانيا العظمى وبزوغ شمس أمريكا الجديدة التى ورثت الإمبراطورية وتوابعها.. كان اللقاء هو الأول بين رئيس أمريكى والرجل الذى أسس كيان الدولة السعودية الثالثة، وفى هذا اللقاء انتقلت كفالة الدولة السعودية من العصمة البريطانية للبيت الأبيض الأمريكى.
.. أمريكا خرجت من الحرب العالمية الثانية منتصرة وقائدة، والسعودية عوضها الله عن ندرة الماء ببحار من النفط.. أمريكا وأوروبا بحاجة للبناء والتعمير ومواجهة قوة عظمى جديدة خرجت للتو فى أعقاب الحرب من قلب صحارى ستالينجراد وثلوج سيبريا.. الاتحاد السوفيتى.. الكل بحاجة للنفط والنفط بحاجة لمن يحميه.
فى لقاء البحيرات المرة حسمت السعودية أمرها وولت وجهها وقلبها شطر البيت الأمريكى.. أمريكا ورثت عرش بريطانيا وتاريخها وسياساتها وفى القلب من كل ذلك إسرائيل التى هى الأخرى انتقلت عصمتها من يد الدوق الإنجليزى إلى رقبة الكاوبوى الأمريكى.. أمريكا بحاجة للنفط وممرات الملاحة فى قلب العالم بالشرق الأوسط، والنفط بالسعودية وإسرائيل هى «ناضورجى أمريكا والغرب» القادر على الحماية والتهديد والضرب والخطف
.. أمريكا دولة عظمى هى حاصل حياة مئات الأعراق من البشر فى مكان واحد هو الأرض الأمريكية شعارهم جميعا الحرية للجميع .. إسرائيل هى حاصل جمع كل المهاجرين اليهود لأرض فلسطين.. هى مشروع جريمة دولية وأخلاقية تحول إلى دولة.. السعودية المعاصرة هى محصلة لقاء جمع بين رجلين – الشيخ محمد بن عبدالوهاب ومحمد بن سعود آل مقرن (1744) .. ابن عبدالوهاب صاحب دعوى إصلاحية وابن سعود صاحب مشروع سياسى .. الاول وكيلا عن السماء فى حكم الناس والثانى يحكم بنواميس وقوانين الأرض والممالك .. مابين 1744 وقت تأسيس الدولة الأولى و1932 وقت تأسيس الدولة الثالثة والمستمرة حتى اليوم استقر الفكر الوهابى فى بنية المجتمع واصبح مكونا أساسيا من الهوية السعودية.. عام 1945 تحالف الملك عبدالعزيز وروزفلت بالبحيرات المرة.. استمر التحالف 56 عاما (1945 - 2001) خلالها كانت صيغة الشيخ والأمير تلقى هوى لدى الأمريكيين لأن النفط فى أمان بفتوى الإمام وصولجان الأمير حتى حدث ما حدث فى 11 سبتمبر 2001..
بعد 15 سنة من تفجيرات سبتمبر فخخ الكونجرس الأمريكى شرايين العلاقات السعودية الامريكية بقانون «جاستا».. قانون وضع خصيصا للتحرش بالسعودية وبشبه إجماع بين الديمقراطيين والجمهوريين مما يعنى ان الرئيس القادم للبيت الأبيض - كلينتون أو ترامب - كلاهما سيلتزم بالسير خلف رياح جديدة للسياسة الأمريكية هبت بالفعل على جزيرة العرب.. محاصرة الفكر الوهابى وربما الأمل فى إسقاطه ليس بعيدا عن التقارب مع ايران باعتبار الفكر الشيعى فكرا ليس انتحاريا أو صفريا فى علاقته بالمختلفين كما الحال بالفكر الوهابى..
أمريكا ستراهن على ما يبدو على إحداث تغييرات تاريخية بالسعودية وأتصور أن الأمريكيين قد يتصرفون بجهالة حيال السعودية لو راهنوا على نخبها الجديدة لأن المملكة كما أفهمها مجتمع به كثير من النخب المتعلمة أحدث تعليم بالداخل والخارج ولكنها حسب تعبير صديق سعودى نخب مهنية خارج معظم السياقات الاجتماعية والسياسية.. نعرات الحرب فى السعودية لاستخدام السلاح بعد عقود من الانغلاق حبل تلفه السياسة الأمريكية حول عنق السعودية السياسى وكان المرجو ان تراجع السعودية نزوة الحرب لأنها فى الغالب تستهلك صاحبها بلا نصر .. إيران تتحرك وتناور تحت بصر وسمع أمريكا، ومن الحكمة أن تعيد السعودية النظر بتحالفاتها وأن تدرك أن المياه العربية ستظل الأكثر أمانًا ودفئَا عن الانسياق خلف رغبة بالسباحة خارج النهر لأنها فعل ارتطام..