تعميم خطبة واحدة على كل المساجد فى مصر لتقرأ من كل الخطباء فى آن واحد فكرة كريهة وقاتلة لأبسط معانى الكرامة الإنسانية وحتى الدينية.. ما معنى أن تلغى عقول آلاف الخطباء وملايين المصلين وتستبدلها بعقل واحد يسيطر ويكتب ويعمم فكرته.. هل للتفقه فى أمر ديننا من معنى سوى أن يكون هناك باستمرار حوار مفتوح بين الجميع لاستجلاء الأفكار وتنقيح الرؤى.. إصرار وزير الأوقاف على موقفه بضرورة التمسك بالخطبة المكتوبة موقف سياسى وليس دينياً، وأبسط الناس وأبعدهم عن السياسة وشئونها يعرف أن السبب الرئيسى لهذا التوجه منع تعدد الأصوات والأفكار والطروحات بالمساجد وفرض الصوت الواحد والفكرة الواحدة.. المثل البلدى عندنا يقول: «أول القصيدة كفر» ومعنى المثل أربطه مباشرة بأول خطبة مكتوبة وكانت عن النظافة فى الإسلام وأتمنى أن يجيبنى السيد وزير الأوقاف هل سائر البشر فى الدنيا لم يعرفوا شيئا عن النظافة قبل الإسلام؟ وهل يا سيادة الوزير بعد أربعة عشر قرنا ويزيد على عصر ظهور الإسلام بالجزيرة العربية التى كانت صحراء قاحلة نقطة الماء بها أغلى من نقطة الدم من المقبول أن يستمر فهمنا للنظافة هو نفس الفهم الأول بأن نتخلص مما يعلق بأجسامنا وأعضائنا بالغسل والتطيب.. يا مولانا لقد تجاوز زمننا هذا الأمر ولم تعد المشكلة هى المشكلة وكنت أنتظر من جهابذة الأوقاف الذين اختاروا الموضوع وكتبوا الخطبة أن يقولوا للناس إن المعنى الحقيقى للنظافة فى زماننا وخاصة فى مصر أن ننظف ضمائرنا مما علق بها من حرام.. أن ننظف نفوسنا مما استبد بها من ضعف وهوان أمام أهون الغوايات.. أن ننظف عقولنا من الأفكار البالية التى نسوقها باسم الدين والتدين.. النظافة فى زماننا يا مولانا التى تتباهى بها الأمم هى نظافة الحكم ورشده والأخذ بمبادئ وقيم الديمقراطية واعتبار العلم الحديث والاستثمار فيه أهم ألف مرة من الغرق فى علوم الدين التى هى من عنديات أمة كتبوها ببساطة أفكار ومفاهيم زمانهم.. النظافة يا مولانا الوزير التى كان يجب أن تكتبوا عنها فى الخطبة المعممة وربما ساعتها كنا سنفكر فى جدوى التوجه الجديد هى أن نتعلم من الأمم المتقدمة ولا نلعنها ونكفرها، وأن نعلم صغارنا قبل كبارنا أن النظافة الحقيقية أن نحيى ضمائرنا التى ماتت وننظف جيوبنا التى انتفخت بالحرام ونعيد الأراضى التى سرقناها ونهبناها.. النظافة الحقيقية يا مولانا الوزير أن ننظف حياتنا من لصوص البنوك والقمح والزيت والسكر والأرز.. النظافة الحقيقية أن ننظف مناهجنا التعليمية مما علق بها من فكر وهابى وسلفى متطرف أهال التراب على أبسط قيم الحضارة والإنسانية.. النظافة الحقيقة أن تقولوا لمن يخفين وجوههن خلف ستار أسود أن الشمس هى الكفيلة بأن تمنح وجوهنا وعقولنا الصحة أما الاختباء خلف فكرة سوداء فإنه سلوك لا إنسانى ولا حضارى يراكم من سواد النفوس والعقول ويغلظ من أسوار الكراهية بين سجين الماضى وبين عصره وناسه.. يا معالى الوزير تعميم وتأميم خطب الجمعة تجميد فاضح للخطاب الدينى الذى يدعو رئيس الدولة لتجديده فى كل مناسبة.