أوراق مسافرة
تعالت الصرخات.. تشابكت الأيادى.. تناثر السباب من الأفواه.. وسقطت سيدة مسنة بين الزحام.. كادت تدهسها الأقدام لولا تدخل شباب فتية ممن لا يزال لديهم نخوة فى طابور الرجال المكدس أيضاً، وأنقذوا العجوز من تحت الأقدام، فيما تواصل التكالب أمام المجمع الاستهلاكى للحصول على ما يمكن أن تصل إليه أيادى كل منهم من سلع غذائية «مخفضة السعر» أرز.. زيت.. سكر.. لحوم.. دواجن، كل سيدة جاءت ومعها أفراد عائلتها ليحصل كل منهم على نصيب إضافى من السلع.. يا الله هى مصر داخلة مجاعة، أم سنوات عجاف قادمة وعلينا أن نختزن من الحالى للقادم.. لا مجاعة ولا عجاف.. إنه شهر رمضان.
نحن نتعامل مع شهر رمضان على أنه شهر الطعام والتخمة والأكل المكدس أشكال وألوان بكميات لا أنزل الله بها من سلطان، تصحو ست البيت من بعد صلاة الفجر لتحضر الإفطار والحلويات حتى موعد الإفطار، ناهيك عن الولائم والعزائم التى لا تنتهى، فى الواقع لا غضاضة فى إقامة وليمة أو اثنتين لأفراد العائلة فى الأيام الأولى من رمضان، حتى تشعر العائلات باللمة والفرحة فى الشهر الفضيل، أما أن تستمر الولائم والعزائم طيلة الشهر بكل ما يحمله ذلك من تفاصيل إثقال كاهل رب الأسرة البسيط اللى «ماشى بالستر» بالنفقات والتكاليف ليتحول جوهر وهدف هذا الشهر العظيم من شهر صيام وتوفير وشعور بالفقراء والمساكين ومشاركتهم الجوع والتقشف إلى شهر إنفاق وبذخ، تخرج منه الأسرة مديونة ومنهكة مالياً لتتلقفها نفقات ملابس العيد والكحك والبسكويت، ولا يكاد رب الأسرة يلتقط أنفاسه حتى تضرب «أم رأسه» مصاريف العام الدراسى الجديد.
وأتساءل دوماً.. ما هذه الكميات الهائلة الطعام والخزين التى تتبارى البيوت المصرية لشرائها، وما هذه الكميات من اللحوم والأصناف الأخرى التى يتم طهوها يومياً، وإلقاء معظمها المتبقى منها فى القمامة ليحاسبنا الله بذنب الإسراف، بدلاً من يكون شهر رمضان شهر كفارة ذنوب، فهل معدة الصائم تستوعب أكثر مما تستوعبه فى الغذاء العادى، أم أن أعيننا أكبر من معدتنا.
يا خوانا.. رمضان ما عمروش قال كده.. رمضان قال احمدوه والحمد مش بالشكل كما غنت شويكار لفؤاد المهندس.. فقد فرض الله سبحانه وتعالى الصيام علينا لأهداف سامية.. لنشعر بالفقراء والمحتاجين، ونقدم لهم مما نأكل، ونقتصد فيما نأكل.. ولكننا أهدرنا القيمة الدينية والأخلاقية المقصودة لهذا الشهر.. وأصبنا بحالة من السعار.. وكان الله فى عون رب كل أسرة الذى يتعرض الآن لتجريف جيوبه.. وفى عون معدتنا التى تصاب بالتخمة والاضطرابات.. وبعون أجسادنا التى تزداد بضعة كيلوات.. وبصحتنا التى يعتريها الضغط والسكر من فرط إسرافنا فى أنواع الطعام والحلويات، ويكفى القول إن الشعب المصرى ينفق موازنة تصل إلى 44 مليار جنيه فى شهر رمضان على الطعام والكحك وبزيادة تصل إلى 54% عن الشهور العادية ونهدر فاقداً من الطعام يصل إلى 60% مقارنة بالشهور العادية.. سامحكم الله وسامحنا وأعادنا إلى صوابنا لننعم بصيام صحيح يرضى عنه الله.. صيام عن الطعام والشراب وصيام عن سوء الأخلاق.. وصيام عما هو كل حرام.. وكل عام وأنتم بألف خير.