أوراق مسافرة
كانت الشوارع مزدانة بالألوان والبالونات، والاحتفالية الشعبية على اوجها فى سراييفو بالمملكة الصربية فى حينه لاستقبال زيارة ولى عهد النمسا الأرشيدوق "فرانز فرديناند" برفقة زوجته صوفى فى 28 يونيو عام 1914، كان الأرشيدوق داخل سيارة مكشوفة وبلا مقدمات انطلقت رصاصتان صوبهما، لتقتله وزوجته وسط صرخات المحتفلين، القاتل "غافريلو برينسيب" طالب صربى مراهق، حادث لم تكن له خلفيات سياسية عميقة وفقا لما كشفته التحقيقات فى حينه، ولكنها كانت أفظع جريمة فى التاريخ لتسببها فى الحرب العالمية الاولى التى استمرت 4 سنوات وقتل فيها 16 مليون شخص وجرح وتشوه و21 مليون آخرين، حرب انتهت بتحولات "جيوسياسية" فى القوى والتحالفات موازين القوى.
فقد قررت الامبراطورية النمساوية - المجرية الانتقام من مملكة صربيا بمحاربتها بعدشهر من اغتيال الأرشيدوق، وردت ألمانيا بغزو بلجيكا ولوكسمبورج ودخلت بريطانيا و الدولة العثمانية على الخط، وانتهت الحرب بانهاء الإمبراطورية العثمانية، وبهزيمة ألمانيا والتى تسبب انهيارها الاقتصادى فى المجىء بأدولف هتلر وحزبه القومى للحكم، واشعلها هتلر فيما بعد حرباً عالمية ثانية، ولدت كل من القنبلة الذرية ودولة إسرائيل، وهكذا تغير العالم بسبب مراهق صربى لم يقرأ سياسة ولا التاريخ لكنه غير الاثنين معا على مدى عقود فى العالم كله .
ليس هناك وجه دقيق للمقارنة، ولكن الحدث بالحدث يذكر والتاريخ قد يتشابه ويسير الى نفس النتائج، ما تواجهه مصر الآن من " تلاكيك" ايطالية - أوروبية لمقتل الباحث الايطالى ريجينى، فإلى ماذا تسعى إيطاليا من تأجيج الحدث وإعطائه بعد سياسى وكأنه الأرشيدوق ريجنى، ما هذا السيل من التحقيقات والاستدعاءات وطلب الحصول على تسجيلات لمكالمات ملايين المصريين ممكن يقيمون بالقرب من مكان إقامة ريجينى وعلى طول الطرق التى سار عليها و الاماكن التى تردد حتى مكان العثور عليه، هل يعقل ان تسلم مصر اسرار ومكالمات الملايين بسبب قضية قتل، وما هذه الحرب الشعواء التى أشعلتها ايطاليا داخل البرلمان الأوروبى والبيان النارى ضد مصر بانتهاك حقوق الانسان و"البذنجان"، اشتم وغيرى رائحة مؤامرة دنيئة ضد مصر، وأعتقد أن المتورط فيها أكثر من جهة، حقا تعاملت مصر مع القضية منذ البداية باسلوب تقليدى قديم، ولكن ما يحدث من ايطاليا يثير اكثر من علامة استفهام، خيوط المؤامرة أتمنى أن تتكشف بسرعة بالتحقيقات، واى كان المتورطون فى الجريمة يجب إعلانهم وتقديمهم لمحاكمة سريعة عاجلة لنغلق الأفواه المفتوحة علينا ونقصر الأيدى المشهرة بالاتهامات نحونا والمستعدة لحمل السلاح وتصويبه لصدورنا، اللهم احم مصر من كيد الكائدين ورد كيدهم إلى نحورهم.