كلمة حق
تعرض المصريون لكثير من التداعيات السلبية كنتيجة مباشرة لآثار النظامين السابقين: المترهل والفاشى، وربما كان الإعلام هو أبرز المؤسسات التى ظهرت فيها أعراض لأمراض خطيرة، ما لبثت أن تفشت وأزمنت، لأنها لم تجد من يتصدى لها بالتقييم والتقويم اللازمين، فى غياب للرقابة، ربما لغياب وزارة الإعلام، وعدم وجود ضوابط نقابية، لعدم وجود نقابة إعلامية، وفى ظل تحولات سياسية واجتماعية سريعة، نتج عنها شىء من الارتباك العام.
وإذا اقتربنا من الإعلام، لرصد الفارق بين الأداء الإعلامى المهنى الرصين، والأداء الإعلانى الهلامى الرخيص، لوجدنا أنواعا من الفوضى الشاملة تحكم المشهد وتتحكم فيه، وهى بالتأكيد فوضى مقصودة متعمدة من مالكى هذه الأدوات الإعلامية، والعاملين فيها، لتحقيق أهداف سياسية فى أحيان كثيرة، وتحقيق أرباح مادية فى كل الأحيان، وفى السبيل إلى تحقيق ذلك يصبح الحق ضلالا، وتصبح الحقيقة خيالا.
لقد سادت فى كثير من الفضائيات خلال السنوات الخمس الأخيرة سلبيات غير مسبوقة فى محيط العمل الإعلامى المصرى، تبدأ من إذاعة أخبار دون تدقيق فى مصادرها، بقصد أو عن غير قصد، وهى جريمة فى الحالتين، تؤدى إلى البلبة والفتنة، كما تدور معارك تصفية حسابات شخصية بين أشخاص على الهواء مباشرة، يشاهدها أطفال، وشباب وشيوخ ونساء، يستمعون فيها إلى ألفاظ خارجة، من المفترض أن يحاسب عليها القانون، تصل أحيانا إلى الخوض فى الأعراض، وهو مالا يجوز أن نربى عليه الأجيال القادمة، حتى لا يصبح الشقاق والنزاع هما المنهج والنموذج، فاذا أضفنا إلى ذلك إذاعة إعلانات عن عمل الأحجبة، وجلب الحبيب والرزق، اكتشفنا أننا بلا شك فى ورطة حقيقية.
ويبدو أن هذا النوع من التسيب الإعلامى جاء على خلفية تسيب من نوع سابق تمثل فى وجود عدد هائل من القنوات التى تخفَّت تحت قناع الدين، فتحولت إلى دكاكين للدين، قبل أن يتم إسكاتها بعد 30 يونيو، لكنـــــــها كانت أدت إلى خسائر كبيرة تمثلت فى خلق أجيال ملوثة الفـــــــــــكر، مشوشة العقيدة والوجدان.
أما المؤسسة الرسمية المتمثلة فى ماسبيرو فهى غارقة فى تراث، يختلط فيه مفهوم الإعلام الموجه الموروث من العهد الناصرى، بعهد جديد تمثل فى قطاع النيل للقنوات المتخصصة الذى بدأ فتيا، ثم توقف فى منتصف الطريق، عندما تلاشت قواعد المنافسة الشريفة، وهجرت الاعلانات القطاع الاقتصادى، وتوقف قطاع الإنتاج عن الإنتاج، واختلط مفهوم إعلام الدولة بمفهوم إعلام الشعب، دون وضع ضوابط واضحة، تسمح بسقف من الحرية اللازمة للعاملين بماسبيرو، يمكن لهم من خلالها الدخول فى المنافسة مع آخرين، سمح لهم بحرية بلا سقف، ومن هنا أصبح وضع ماسبيرو صعبا، حين نطلب منه أن يسبح مكبل اليدين والفم.
لقد بات حتميا انتقاء رجال المجلس الوطنى للإعلام، انتقاء يســـتنـد إلى معايير تضع مصلحة الوطن والمواطن فى المقدمة، بعيدا عن المجـاملة، أو التوظيف المرحلى لأشخاص بعينهم، دون النظر إلى الكفاءة، والإخلاص للوطن، والمصداقية، والقبول لدى جماهير الشعب، والعاملين بالحقل الإعلامى، لأن اللحظة الآنية والوضع الراهن لا يسمحان بتـــرف إساءة الاختيار، فلا يصح معالجة المرض بمرض جديد.
تحتاج مصر فى هذه المرحلة إلى تكاتف بين الشعب وقياداته، ذلك التكاتف الذى يحتاج إلى جسور من الثقة المتبادلة أولا، ولا شك أن الإعلام هو أداة الوصل الأولى والأهم، يتسبب أى عطب فيها فى وصول الرسالة منقوصة أو مشوهة أو موجهة، وهذا ليس بالضرورة ان يحدث مادام لدينا الفرصة لمنعه والتصدى له.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض