رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

كثيراً ما نتساءل عن السبب فى هذا الإعراض من قبل جمهور الناس عن الفلسفة، وما السبب فى هذا الهجوم الضارى على الفلسفة والاتهامات التى توجه لها بدون وجه حق؟! وما السر وراء انتشار هذه العبارة الغريبة، عبارة «بلاش فلسفة»؟! ولماذا يوحد الناس بينها وبين الغموض وعدم الفهم مع أنها علم التفكير وإعمال العقل للوضوح والفهم وليس للإبهام والغموض؟!

والحقيقة أن جانباً كبيراً من المسئولية عن ذلك يرجع إلى أساتذة الفلسفة والمتخصصين فيها فى مصر وفى عالمنا العربى، فهم يكتبون فيها بلغة مليئة بالمصطلحات الغامضة الملغزة التى يصعب فهمها ليس فقط على القارئ العام بل ربما أيضاً على القارئ المبتدئ فى التخصص، وكذلك فإنهم فى البرامج الدراسية وفى محاضراتهم حتى العامة منها يركزون كثيراً على تاريخ الفلسفة ومشكلاتها منذ العصر اليونانى وحتى العصر الحديث دون أن يوضحوا مدى جدوى ما يقولون وما يستشهدون به من أقوال هؤلاء الفلاسفة عبر العصور فى حل مشكلات الواقع المعاش للناس، ودون أن يكشفوا عما تقدمه الفلسفة أو الفلاسفة من وسائل يمكن أن تتحسن بها حياة الناس ويمكن من خلالها أن يتقدموا فى حياتهم العقلية والعملية!!

والطريف أن ذلك يحدث فى الوقت الذى يعلم فيه هؤلاء الأساتذة أن فلسفة أى فيلسوف من هؤلاء الفلاسفة الذين يعرضون لهم لم يكتب فلسفته إلا تعبيراً وانعكاساً لواقع فكرى وسياسى واجتماعى وعلمى معين عايشه ويعبر عنه وعن مشكلاته واصفا إياها وعارضا لحلول جديدة لها، كما يعلمون أنه لا يوجد فى تاريخ الفلسفة إلا فلاسفة يقدمون الرؤى العقلية الضرورية لتحسين حياة البشر وللإجابة على تساؤلات جوهرية تطرحها عقولهم دون أن يكونوا قادرين على الوصول إلى إجابة شافية أو مقنعة لها، ومن ثم فإن الفلسفة وتاريخ الفلسفة لم يكونا بأى وجه بعيدين عن واقع الناس ومشكلات حياتهم العملية منها والعقلية!!

فما بال علم أساتذتنا بذلك لا يصل من خلال كتاباتهم للناس فى بلادى!! وما بالهم لا يهتمون – إلا القليل منهم من أصحاب المشاريع الفكرية التى قد تلامس قضايا الواقع طارحة حلولا لها – بقضايا واقعهم وبمشكلات بلادهم وحضارتهم!! وما بالهم حتى وهم يهتمون بهذه القضايا وتلك المشكلات الواقعية لا يعبرون عن رؤاهم وحلولهم بلغة سلسة وأداتية سهلة الفهم على القارئ سواء كان متخصصاً أو غير متخصص!!

إن علينا إذن أن نعترف بنوعين من التقصير من قبلنا قبل أن نتهم الناس بالجهل والبعد عن الفلسفة واتهامها بتلك التهم التى نرفضها تماما، ليس لأنها بعيدة عن الواقع فقط، بل لأنها تصرفنا وتمنعنا عن الاستفادة من الفلسفة وفعل التفلسف العقلى الذى هو أساس من أسس التقدم الحضارى لكل الأمم والشعوب والحضارات، أولاً: نحن نقصر فى حق الفلسفة والتفلسف حينما نكتب بلغة تخصصية شديدة الالغاز ومغرقة فى الغموض الاصطلاحى دون أن نبذل جهدا حقيقيا فى الحرص على التعبير بلغة سلسلة واضحة يفهمها الجميع، ولنا أسوة حسنة فى هذا المقام باللغة التى كان أستاذانا الجليلان د. زكى نجيب محمود ود. فؤاد زكريا رحمهما الله يستعملانها حتى فى كتاباتهم التخصصية حيث كانا يعبران عن أعقد القضايا الفلسفية بأسلوب مبسط يفهمه كل من يقرأه. ثانيا: نحن نخطئ فى حق الفلسفة ودورها التنويرى فى حياة الناس حينما نقصر الدرس الفلسفى على عرض نماذج من تاريخها الطويل غافلين عن التساؤلات التالية: ما جدوى ذلك العرض التاريخى؟! وكيف يمكن الاستفادة من رؤية هذا الفيلسوف أو ذاك فى معالجة هذه القضية أو تلك من القضايا والمشكلات التى تهمنا والتى يعانى منها مجتمعنا؟! وماهى الحلول التى يمكن أن نطرحها نحن لمعالجة هذه القضايا والمشكلات بحيث يمكن لمجتمعنا أن يتجاوزها، وأن يحقق من خلالها تقدمه ونهضته المستقلة؟!

من هذه التساؤلات وغيرها نكتشف ببساطة أهمية الفلسفة التطبيقية، وأهمية الدعوة لتحويل الدرس الفلسفى المصرى من درس نظرى يركز على عرض النماذج من فلسفات العصور المختلفة ومشكلاتها، إلى درس تطبيقى يستهدف فى الأساس الاستفادة من مبادئ ومقولات ومناهج التفكير الفلسفى المختلفة فى معالجة قضايا الواقع والكشف عن أبعادها وتقديم الحلول المناسبة لها. فمجتمعنا المصرى وكذلك العربى والإسلامى يعانى من مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية ينبغى لفلاسفتنا أن يعبروا عنها ويقدمون رؤاهم الواقعية حاملة الحلول لها مثل مشكلات التعصب الفكرى والدينى ومشكلات حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية وانتشار الأمية والبطالة، كما أن مجتمعنا يعانى من مشكلات بيئية تتقاطع مع مثيلاتها فى الغرب أحيانا وتختلف عنها أحيانا أخرى والمطلوب توصيفها وتقديم حلول مبتكرة لها.

إن كل هذه وغيرها قضايا للفلسفة التطبيقية ينبغى أن تلفت انتباهنا وتكون موضوعا لتأملاتنا الفلسفية ليس بغرض وضع الحلول النظرية المجردة لها، بل بغرض وضع الحلول ممكنة التحقق وممكنة التطبيق.