أوراق مسافرة
لم نصدق انفسنا اننا سنفعلها، ولكن الفارس لم يقل يوما كلمة وخالفها قط، صدقه واصراره وحماسه حولنا جميعا الى فرسان، نستعد لخوض حرب شعواء امام فطاحل مؤسسات كبرى تمولها وتدعمها الدولة، ونحن لا نملك سوى اقلامنا وحزب لم يعد ثريا الا بتاريخه السياسى العريق، فى عصر كانت فيه كلمة واحدة منه أو جريدته الاسبوعية سيفاً بتاراً على رقاب الفاسدين واصحاب السطوة والنفوذ يطيح بهم ويزلزل عروش نفوذهم، وسألنا الفارس سؤالا واحدا «هتقدروا على المسئولية الكبيرة دى» هززنا جميعا رؤوسنا، كنا حفنة قليلة جدا فى قلب البناية القديمة لحزب الوفد بحى المنيرة العتيق.. شبابا لا نزال جميعا نخطوا على بلاط صاحبة الجلالة، لكن حماسنا يصنع من كل منا مائة صحفى، وكان القرار، الوفد سيتحول الى يومى.. ياللهول.
كنت وقتها لا ازال على قوة جريدة الجمهورية فى قسم الحوادث، أعانى مع زملائى من صراع دائر فى هذه الجريدة بين اثنين من القيادات على رئاسة التحرير، ساعتها شجعنى الاستاذ سعيد عبد الخالق رحمه الله لان اكتب فى الوفد الأسبوعى بقسم الحوادث بدون اسم لزيادة دخلى بترشيح من المرحوم الاستاذ علاء الوكيل رئيس قسم الحوادث بالجمهورية فى حينه وزكانى بقوله «بمية راجل وكفاءة»، ثم طلب منى عبد الخالق التفرغ للوفد مع الاصدار اليومى، وقال «هنحتاجلك ...هنا افضل ليكى»، ولم اتردد فى اتخاذ القرار، وهو قرار لم اندم عليه يوما حتى فى احلك الاوقات التى مر بها الوفد فيما بعد، لأنى أحببت المكان وعشقت العمل فيه وارتبط بزملائى كأخوة الدم، وعشت بينهم ولا ازال أجمل أيام العمر.
وفى مثل هذا اليوم 9 مارس قبل 29 عاما، صدر اول عدد للوفد اليومي، كان عددا تاريخيا لا ينسى، كل حرف وخبر وموضوع تشاركنا جميعا فى كتابته بأرواحنا لا أقلامنا فقط، خرج الوفد اليومي كأيقونة فريدة لها صوت يجلجل لأجل الحق، صادق لأجل أبناء الشعب، معبر عن نبضهم وكل آلامهم، فكانت جريدة كل الشعب، يتلقفها القراء وهى لا تزال ساخنة من أثر ماكينات الطباعة، وينتظرون موزع الصحف بفارغ الصبر.
وواجهنا كصحفيين مئات المحاولات لمحاربتنا من كل مؤسسات الدولة في حينه وعلى رأسها الداخلية، التى خضنا ضد تجاوزاتها حروبا شعواء، فكان يتم منعنا من دخول الوزارات، أو تغطية الاخبار والاحداث يحطمون كاميرات مصورينا الفطاحل الأساتذة عبد الوهاب السهيتى حمدى عبد الصادق.. جلال شاهين.. أحمد شحاته» وقد تخطفتهم منا فيما بعد الصحف القومية»، رغم ذلك صمدنا.. تحدينا، وخضنا بأوراحنا عشرات المغامرات، واشتعل تنافسنا لتحقيق النجاح للجريدة والسبق، فكان زميلنا الهمام سيد عبد العاطى «رئيس مجلسى الادارة والتحرير حاليا» يخترق مستشفى الخانكة وينتحل صفة مجنون، فأنافسه وأخوض تجربة التسول ثلاثة أيام بين مقابر مصر وشوارعها وأتعرض للضرب ومطاردة المتسولين، يخوض «عبد العاطى» مغامرة السير فى شوارع القاهر حاملا قتيلاً فى جوال، وقام بدور القتيل زميلنا صلاح الدبركى فقد كان الأخف وزنا، لقياس مدى شهامة رجل الشارع وتحركه لايقاف قاتل يحمل قتيلاً فى جوال، فانتحل بدورى صفة فتاة احداث لاختراق مؤسسة رعاية الاحداث وكشف ما يحدث بها من تجاوزات فى حق فتيات الأحداث، يخوض سيد مغامرة اختراق السجن الحربى فأخوض بدورى أنا وزميلى يسرى شبانة «مدير تحرير بوابة الوفد» مغامرة اختراق قسم شبرا وانتحال صفة اخرى للكشف عن احتجاز ابرياء دون تهمة وتعذيبهم وقمنا بتصويرهم وكنا سببا فى إقالة كل ضباط القسم، يخوض سيد مغامرة اختراق المطار وزرع قنبلة وهمية، فأخوض بدورى مغامرة اختراق دار المرضى المسنين بالخانكة منتحلة صفة سيدة أعمال تحمل معونات بمساعدة الزميلة أسماء نجاتى مديرة تحرير جريدة النهار حاليا، واكشف الفظائع تعذيبهم وعيشهم على الماء بالسكر فقط والاستيلاء على أموالهم والمعونات المقدمة لهم، ولا أنسى يوم تنكرنا فى ملابس فلاحين أنا وسيد عبد العاطى ومجدى حلمى، وقضينا ليلة سوداء تحت ضرب النيران فى قرية الخرقانية التى كانت محاصرة من قبل الأمن للقضاء على مجموعة من الارهابيين، وكان محظورا دخول القرية وتسللنا عبر الزراعات وقمنا بأكبر تغطية واقعية للحرب بين الأمن والارهاب، مغامرات صحفية خضتها فى مصر وخارجها منها تغطيتى لأخبار حرب البوسنة والهرسك كاول صحفية عربية عام 93، كما خاض زملائى الكثير من المغامرات.
ولم يكن لنا بعد مراسلون فى المحافظات، فكنت أنا وزميلى محمود غلاب «مدير التحرير الآن» أبطال المغامرات لتغطية أى أحداث تقع فى أى محافظة، نقضى نهارنا فى السفر، ونبيت بالجريدة نكتب مع القيادات للاعداد للطبعة الثانية، كنا خلية نحل جميعا لا نهدأ، أدواتنا بسيطة، قلم وورق أصفر، وتليفون البقال لنملي منه الأخبار للجريدة من مكان الحدث، فلم يكن هناك هواتف محمولة، ولا انترنت للارسال، كنا ننتظر صدور العدد لنرى أسماءنا تزين الأخبار والأحداث وكأننا ننتظر عيد، فقد كان لنزول اسم الصحفى فرحة ومعنى لاننا نلنا هذا بتعب وجهد كبير، على نقيض ما يحدث الآن من سيولة صحفية فى نشر الأسماء، وسهولة الحصول على الأخبار، بتطور وسائل الاتصال التى تجعل الصحفى يصدر جريدة دون مغادرة مكتبه.
كان تنافسنا كزملاء تنافسا شريفا لأجل هذه الجريدة الرائعة، جريدة صنعت منا نجوما، وكنا نحن نجومها التى أنارت لها الطريق نحو القمة لم نلطخ صفحاتها بأخبار مجاملة ولم تخضع سطورها الا لمصلحة المواطن البسيط، واليوم والوفد يجرى فى عروقى مجرى الدم، ولا يمكننى استبداله بأى اغراء صحفى آخر فى أى مكان كان، فى يوم احتفال الوفد اليومى بالعيد 29 وقد أخذ منا العمر ما أخذ، مازلت أرى الوفد طفلة في قبلي رغم النضوج ورغم عمرها الذي صار 29 سنة، طفلة تحتاج للرعاية والعناية، لتكبر وتورق وتنجح، أدام الله الوفد، وأدام أعمار كل من تعبوا وبنوا لتكون، ورحم مصطفى شردى وكل الفرسان الذين رحلوا بعد أن أفنوا أعمارهم بين جدران الوفد وصفحاته، وكل سنة وكل الوفديين بخير.