رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

وقف بين الجموع المكدسة فى ارتباك بلا نظام او ضابط مرتديا «جلباب بلدى»، على رأسه شال وقد لفه كأخوتنا الصعايدة، هذا «يزقه» وهذا يدفعه للخلف ليأخذ مكانه، وهو مستسلم للأيادى والأصوات الغاضبة، أحد الموظفين يصرخ فى الواقفين بغلظة «اللى ما جابش بطاقته يجيبها» يسارع الواقفون بالتفتيش فى الجيوب والمحافظ ويتبارون فى تسليمه البطاقات، يأخذها بوجهه العبوس ويصرخ «يعنى مش شايف طابور، اللى مش هيقف عدل مش هيدخل وخليه واقف لبكره «يحاول الواقفون لم شتاتهم، تصرخ امرأة منتقبة» لا احنا هانعمل طابور سيدات وحدنا» فى صورة معوجه يقف طابوران واحد للرجال وآخر للنساء، فيما لا يتوقف اللغط والجدال، يصرخ رجل عجوز: يابنى مش قادر اقف على رجلى ما فيش كرسى..؟ «يصرخ فيه رجل الأمن الواقف على الباب وقد سده بجسده البدين «نجيبلك كرسى منين يا حاج» ويدير له ظهر وهو يضرب كفا بكف «ويبرطم» هى ناقصة بلاوى صباح ايه ده يا ربى»، تصرخ سيدة شابة: احنا لينا ساعتين واقفين ولا حد تحرك مننا، هم الموظفين بيعملوا ايه.

تطوع مواطن واجاب فى تهكم «بيفطروا لسه، وبعدها الشاى وبعدين يحنوا علينا ويشتغلوا، انهارت إحدى السيدات المسنات من الاجهاد وجلست على الأرض المتربة دون اكتراث وهى تدفع بيديها الاجساد المحيطة بها وتتنهد» اوعى انت وهو مابقيتش قادرة أقف.. يا رب هون علينا، بينما يخرج الموظف من داخل المكتب ويشير لاحد الواقفين ممن ليس عليهم الدور، يتهلل وجه الشاب ويخترق الصفوف ويدخل، يهمهم الوقوف فى تذمر، تصدر عن أحدهم كلمة «دى كوسة» ويكمل آخر «آه ياسيدى تلاقيه معرفه، هو احنا هنتغير أبد.. ويقولك ثورتين والله ما فيه فايده، يأتى صوت الرجل ذو الجلبات والعمة من الخلف مستهجنا وصارخا فى الموظف الذى اصطفى مواطن معرفة وفضله عمن عليهم الدور، ويهتف به «يا اخينا هو انت مش ماشى بالدور ليه» شوح الموظف بيده وادار له ظهره دون ان يرد، كرر صاحب الجلباب سؤاله مرة اخرى : يا اخينا هو بالدور ولا الكوسا، صرخ فيه المواطن: وانت مالك خليك فى حالك، عايز تقضى مصلحتك اقف ساكت، هاتفضل تتكلم كده، يبقى خليك لبكره.

ثار صاحب الجلباب لاسلوب الموظف وهتف فيه: يعنى إيه بتهددنى، إجابه الموظف: ياسيدى اسكت بقى وارحمنا هى مش ناقصاك، واشتد اللغط والجدال، وتحولت الهمهمات بين المواطنين الوقوف الى جلبة، ومن ثم تراشق بالكلام مع الموظف، ومشاحنات، وهنا خرج ذو الجلباب عن الصف، وخلع الشال عن رأسه، وأمسك بكتف الموظف فى قوة: يعنى انت مش هتحترم نفسك وتعامل الناس بالحسنى وتحترم الدور؟ ذهل الموظف وفتح فمه فى بلاهة وذعر، وترنح حتى كاد يسقط على الأرض من هول المفاجأة وهو يهتف : سيادة العميد.. أنا أسف.. أهلا وسهلا.. تفضل.. أنا آسف.. والله ما عرفتك ،حضرتك لابس كده ليه.. أنا أسف وووو.

واصطحبه العميد «أحمد .ا» الى الداخل، وأمر باحالة معظم من بالمكتب للتحقيق، لاهدار وقت العمل، لسوء معاملة الجمهور، للبطء فى اداء الخدمات، وأخبرهم انها لن تكون المرة الاخيرة التى يتنكر فيها فى اى زى، لينزل اليهم من مكتبه ليتابع بنفسه سير العمل، ومستوى أداء الخدمات المقدمة للجمهور.

هذه لقطة حقيقية وليست سينمائية، تنكر خلالها أحد ضباط الشرطة المحترمين، ليتابع سير العمل بأحد مكاتب الشهر العقارى فى القاهرة الكبرى، ولم أرغب فى ذكر تفاصيل أكثر، احتراما لطلبه، ولكن تكريسا لما قام به، رغبت فى نشره، لتنكره فى صورة مواطن عادى ليقيس مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، وأعتقد انه اسلوب ناجح جدا للكشف عن العوار والفساد والرشوة والمحسوبية فى كل قطاعات الدولة، ولو ان كل مسئول يقوم على قيادة أو إدارة جهة ما أو مصلحة حكومية وخدمية للمواطنين، وقام بهذا التنكر، لعرف بنفسه مدى تنكر الموظفين لتأدية واجباتهم، ومايعانيه اهالينا فى قضاء خدمة أو مصلحة أو حتى توقيع ورقة وتوثيقها من كل مصلحة حكومية أو أى من مؤسسات الدولة.

 أعتقد لو خاض كل مسئول هذه التجربة من ارض الواقع، لعرف بشفافية وبصدق معاناة المصريين على ابواب دواوين الحكومة، لكن لأن هذا المسئول وذاك، يرسل ساعى مكتبه أو حتى سكرتيره بكارت توصية إلى أى مصلحة ليقضى طلباته وخدماته وهو جالس خلف مكتبه المكيف، فلا يمكنه أبدا الشعور بمعاناة المواطنين، وبالتالى لن يبادر أبداً بتحسين الخدمات، أو رفع مستوى الأداء والعمل بالمصالح، أو حتى إخضاع الموظفين لدورات تدريبية فى فن التعامل مع المواطن كما يحدث فى الدول المتقدمة، وذلك للرقى بمستوى الخدمات، وتوفير الراحة للمواطنين، والتى تعد جزءا اساسيا من تركيبة المجتمعات المتقدمة وليس نوعا من الرفاهية، فاذا ما حصل كل مواطن على ما يحتاجه من خدمة بصورة محترمة وسريعة ومختصرة، سيقوم هو بالتالى فى مكان عمله بخدمة الجمهور بأريحية على نفس المنوال، وبالتالى تخف ضغوط الحياة اليومية من على كاهل المواطنين، ويتحرك فى الحياة بصورة أكثر راحة وسعادة، مما ينعكس بالتالى على الأسرة المصرية وعلى المجتمع ككل، ولكننا للاسف نفعل العكس، نعقد المواطنين و«نكلكع» حياتهم، وأقسم انه فى كل مصلحة حكومية أو مؤسسة توجد جماعة كل همها تعقيد المواطنين وتعطيل أوراقهم ومصالحهم، ويستشعرون فى ذلك سعادة المرضى النفسيين.

أطالب كل مسئول بأن يحتذى بما فعله العميد احمد الذى يذكرنا بأعظم وزير داخلية عرفته مصر وهو المرحوم اللواء احمد رشدى الذى تنكر كثيرا فى زى مواطن ليكشف الكثير من الفساد والتجاوزات داخل أقسام الشرطة وقطاع الأمن وأعاد الانضباط للشارع المصرى، أرجوكم تنكروا فى صورة مواطن، ولا تتنكروا من خدمته ولا من دوركم الذى ولاكم الله عليه، لأن الشعب فاض به الكيل وطفح.

 

[email protected]