رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

قبل أن تقرأوا: ينعي بعض الكتاب والمثقفين الكويتيين مجلة «العربي» قبل أن توصد أبوابها فعلياً معلنة انتهاء «حقبتها» كومضة ثقافية عربية (كويتية) إلى الأبد!

وقبل أيام أعلن -بغير نعى- غياب الجامعة «العربية» وموتها (إكلينيكياً)! على أثر اعتذار «المملكة المغربية» عن عدم استضافة القمة العربية المقرر عقدها علي أرضها في مارس المقبل!

ويوم الأربعاء الماضى 17 فبراير غيب الموت حقيقة الكاتب «العربى» الأشهر.. الشهير بـ«الأستاذ».. وأقسى ناقد لنظم الحكم العربية، ترجياً لنظام عربى موحد وقوى ومستقل الإرادة والقرار.. غاب الأستاذ هيكل!

<>

في طفولتى كنت شغوفاً بمجلة «العربى».. كانت مطبوعة فاخرة صفحاتها من الساتان اللامع وصورها بالألوان الطبيعية، وسياراتها التي تعلن عنها لم تكن مألوفة لنا.. (البونتياك والكاديلاك والأولدز موبيل ونحو ذلك) كان هذا مما يهتم له صبي في سنى آنذاك، فلما احتفظت بتلك الأعداد، حالماً يوماً ما بامتلاك البونتياك (بيضاء!) كان إعادة تصفح -العربى- في الشباب بمثابة إعادة اكتشاف كنز الكنوز.. كانت مطبوعة ثرية بالأفكار والقصص والرؤى والفلسفات.. كانت شعاع ضوء، ساهم في إنارة مشعلة الدكتور أحمد زكى والكاتب أحمد بهاء الدين وغيرهما.. تماماً مثل عالم المعرفة الذي قاد إشعاعه الدكتور فؤاد زكريا لسنوات، وصدر عنه كتب.. بل مراجع لأعمدة الثقافة والفكر في حياة الأمة (العربية)!

الآن يتناهى إلي الأسماع ويبكي الأفئدة هذه الأيام إعلان وفاة «العربي» ونعيها إلى الأمة، تذرعاً بإجراءات تقشفية (تفرضها علي الأمة كلها أخطاؤها الفادحة، وإهدار مواردها الطبيعية، وتدني أسعار نفط الأوبك.. عناداً أو تآمراً)!

كانت «العربى» يوماً منارة، فأعتمتها سياسات تحريرية مظلمة فكرياً وأفكار غير عصرية لم تستطع المحافظة على جوهر العربي ورسالته.. وهذا شأن كل مطبوعة ثقافية لا تجد «المخلص» و«الموهوب» الذي يحفظها ويحافظ على استمراريتها، حدث هذا في أزمنة كثيرة.. فتوقف عطاء مجلة «القاهرة» (مجلة الشعر) وتوقف عطاء مجلة «إبداع».. وإن كانت تبذل محاولات بين حين وآخر لاستعادة إشعاعهما الثقافى.

«الجامعة العربية» كمؤسسة هي بيت العرب كما يقولون، وبيت العرب يعلو شاهقاً بالأفكار والحوار وتلاقح الثقافات قبل دق طبول الحرب واندلاع الحروب والصواريخ الكلامية.. فكيف وتحت أي سبب أو ذريعة يمكن لدولة عربية أن تتخلى عن إقامة قمة عربية مقرر عقدها علي أرضها سلفاً، قبل أن تتحاور مع أمتها؟ وخاصة أنه لا تعوزها الإمكانات المادية واللوجستية، ولا تتهددها مخاطر أمنية... إلخ، وقد سبق للمغرب أن نظم 7 قمم عربية! ومع أننا لم ننجح بنسبة مطلقة في تحقيق مقررات القمم العربية ووضعها موضع التنفيذ، فإنها تبقى جداراً معنوياً يحافظ على كيان الأمة عربياً أمام الأمم! أما الاستسلام أو الاستسهال أو حتي التسرع بالاعتذار، وقبل أقل من شهر واحد فقط من موعد حدد قبل عام، ففي هذا الكثير من الرسائل الخاطئة للشعوب العربية، تفت في عضدها، وتبث فيها روح اليأس وتغيب الشعور بأي تضامن! ومع كل التقدير لجسارة الموقف الموريتانى، إلا أن الموقف المغربي يستحق وقفة، فحتي إذا لم يكن الأشقاء راغبين -كما قالوا- فى الإيحاء بوجود موقف عربى موحد لا وجود له، قد ينجم عن انعقاد القمة، فإن حاجتنا لإبراز وفرز المواقف في وقت عصيب كهذا، أفضل من الاعتذار.. فالمخاطر المحدقة بالعرب لا تستوجب الفرار منها وإنما المواجهة!

مع غياب -متوقع- لـ «العربى» المجلة، وغياب روح «بيت العرب» الجسورة، التى تواجه وتناقش المخاطر والتهديدات بوضوح وبلا مجاملات.. وبغياب الكاتب العربى الشهير، بكل قدرته على النفاذ إلى كنه الإنسان العربى وجوهر نظامه السياسي، وتوصيف تحدياته ورسم خريطة تهديداته بلا مراوغة أو مجاملة، أشعر وكأننا أمام عالم عربى ذاهب إلى المجهول، يكاد ينعى نفسه!

أعجبنى -ولايزال- تعبير لرجل الصين العظيم «شواين لاى» عندما سأل «الأستاذ هيكل» متعجباً منا بعد أن مات عبدالناصر: «كيف سمحتم له بأن يموت».. ولأن التعبير لايزال يعجبنى، فإننى لا أملك إلا استخدامه ولكن بطريقة أخرى: كيف سمحتم لـ«العربى» مجلةً وبيتاً وقراراً (وكاتباً أيضاً!) بالموت ؟ كيف سمحتم للعربى بالموت؟ من سمح للأمة بتحقيق نبوءة -وسياسة- كيسنجر بأننا سنشرب نفطنا كما يحدث الآن؟ من سمح للأمة بأن ترتكب كل هذه الجرائم فى حق شعوبها، بالابتعاد عن تطورات العصر وضروراته، فى الحريات واحترام حقوق الانسان واحترام الكرامة الإنسانية فتموت إكلينيكياً كما نرى؟

من سمح لأمتنا بأن تحول بيت العرب إلى مجرد بيت خال من الروح وخال من الدفء الإنسانى والشعور بالانتماء لأمة قال عنها القرآن إنها خير أمة أخرجت للناس؟

كيف سمحتم لهم بالموت؟ ليس المقصود هنا أن نعاند القدر ونتحداه. ونمنع وقوعه، ولكن كيف سمحنا لأنفسنا بألا نبحث فى الأسباب والمسببات التى تفضى إلى الموت وتعالج الأعراض والأمراض والعلل؟

بعدما قرأتم: كيف سمحتم لكل ما هو «عربى» وما يمت للعروبة بأية صلة أن يموت؟

الرئيس الراحل أنور السادات (والأستاذ هيكل) فى قبره حتماً يعرفان الإجابة!