منذ صدور أول قانون لتنظيم الجامعات والمعاهد العليا فى مصر عام1958 م وحتى الآن والحديث عن تطوير التعليم العالي لاينقطع والمفروض بالطبع ألا ينقطع، لأن المفروض أن تطوير التعليم الجامعي بكل قطاعاته وتخصصاته يتم لمواكبة تجدد حاجات المجتمع المحلي وتلبيتها من جهة، ولملاحقة التطورات العالمية المتسارعة فيه والاستفادة منها من جهة أخرى.
ولعله يجدر الاشارة إلى أن المحاولة الجادة الوحيدة والأحدث لدراسة أوضاع التعليم العالي فى مصر وتقويمها ومحاولة وضع استراتيجية واضحة لتطويرها هى المحاولة التي قام بها خبراء من إدارة التعليم العالي التابعة لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وإدارة التنمية البشرية للشرق الأوسط وشمال افريقيا التابعة للبنك الدولي ومولته الحكومة المصرية بالاشتراك مع البنك الدولي ومؤسسة التدريب الأوروبية، وهذه المحاولة تمت عام 2010م وصدر عنها تقرير موسع أكد من مقدمته إلى نهايته على ضرورة إجراء إصلاحات هيكلية فى منظومة التعليم العالي «لتوفير المزيد من المرونة والكفاءة فى الحوكمة والإدارة المؤسسية، ولزيادة قدرة التعليم العالي على تقديم التعليم المناسب لنطاق أوسع من الطلاب» وحذر فى الوقت نفسه من أنه «لو لم يتم التصدي لهذه التحديات فى الوقت المناسب، فإنها ستعوق تنمية الامكانات الكاملة لمصر فى مجال تلبية احتياجات البلد»، كما أشار هذا التقرير فى فقرة مهمة إلى «أن مصر تفتقر إلى استراتيجية محددة تحديدا جيدا للبحث والتنمية والابتكار، وأن قدرتها فى مجال العلوم الأساسية ضعيفة، وإدارتها للبحث والتنمية غير كافية وغير منسقة، والاستثمار غير كاف فى مجال البحث والتنمية « وبالتالي فإن بلدنا كما أضاف كاتبو التقرير ذات « مستوى منخفض من الاستعداد للمنافسة فى اقتصاد المعرفة العالمي». وقد أشار هذا التقرير المهم إلى أن أهم جوانب القصور التي ينبغي لنا أن نتغلب عليها فى إطار وضع استراتيجية تطوير التعليم هى «ارتفاع نسبة السكان غير الحاصلين على التعليم المناسب والأمية الوظيفية (التي قدرت بـ 30%) وسوق العمل غير النظامية التي تضم حوالي 40% من السكان، واطار العمل العتيق فى القطاع العام، والافتقار إلى التوازن، واختلاف الآراء بشأن التعليم العالي وضعف نظام البحث العلمي والتنمية».
وبالطبع فإن ثمة جهودا بذلت من الحكومات المتعاقبة على مصر خلال السنوات الخمس السابقة التي تلت نشر هذا التقرير في سبيل التغلب على العديد من جوانب القصور هذه وان كانت السنوات الأربع الأخيرة منها والظروف التي مرت على مصر فيها قد عرقلت هذه الجهود وأجهضتها إلى حد غير معلوم وغير مقدر بدقة وان كنا كمصريين عايشنا كل تلك التطورات السلبية منها والايجابية نحس إحساسا عميقا بأن علينا أن نتيقظ ونبدأ من جديد!
ومع وجود هذا الإحساس لدى الجميع حكاما وخبراء وبشرا عاديين، فإن الحقيقة التي نشعر بها أن ما يحدث لدينا من تطوير نتيجة هذا الاحساس إنما يسير بسرعة السلحفاة، بينما ما يحدث فى العالم يسير بسرعة الضوء وما ذلك إلا لأننا دوما نخشى الجديد ونتمسك بما درجنا عليه لدرجة الايمان بأن «من فات قديمه تاه»!! فهل يتصور أحد أننا مازلنا نسير– رغم وجود هذا التقرير وغيره من التقارير ورغم توصيات المؤتمرات المختلفة التي نادت بضرورة التطوير والتحديث للحاق بركب التقدم العالمي فى التعليم العالي - نسير على قانون 1958 الذي وضع لـ «يساهم في بناء وتدعيم المجتمع الاشتراكي» كما تقول المادة الأولى فيه!! وبالطبع لايخفى على أحد أنه مهما جرى على القانون من تعديلات - وكلها إضافات وتعديلات جزئية - لاينبغي بل لايمكن أن تتعارض مع هذه المادة مع أن دستور الدولة التي تنبثق منه كل القوانين بما فيها قانون التعليم العالي قد تجاوزت ذلك المجتمع الاشتراكي من زمن بعيد!!
وإذا كان ذلك يتعلق بالتشريعات والقوانين المنظمة لعمل الجامعات، فحدث ولاحرج عن معوقات التطوير والتحديث المنبثقة عنها والمترتبة عليها فى واقع الحياة الجامعية التي لم تعد ترضي أحدا، بداية من كيفية إنشاء كليات وجامعات جديدة تتم فقط بحجة نشر التعليم الجامعي وإتاحته فيسمح بإنشاء جامعات وكليات دون هياكل ودون امكانيات بشرية وبنية تحتية مناسبة لدرجة أن الكثير من الجامعات الاقليمية قد تأسست وسكنت واعتمدت على احتلال بعض الأبنية التعليمية للمدارس واستئجار بعض العمارات والشقق لتمارس فيها الأنشطة الإدارية والعملية التعليمية!! وكم من كليات ومعاهد حكومية وخاصة تقبل عشرات الآلاف من الطلاب وهى لاتملك الإمكانيات لتعليم مائتين منهم معتمدة بالطبع على انتداب بعض الأساتذة الجامعيين من الجامعات الحكومية !! وكم من جامعات خاصة وهي الآن تنتشر كانتشار النار في الهشيم بمسميات مختلفة قامت ولاتزال على كتف الجامعات الحكومية فى كوادرها الادارية وكوادرها التعليمية ودون أن تحرص يوما - ومن خلال ماتجنيه من أرباح طائلة - على أن تكون عضو هيئة تدريس مؤهل جيدا تعتمد عليه لتسير فى طريق الاستقلال الأكاديمي عن الجامعات الحكومية بحيث يكون لها هويتها العلمية والبحثية المستقلة، وإذا فعل بعضها ذلك فى مجال تنمية قدراتها التدريسية فهى لا تكاد تنفق مليما واحدا على البحث العلمى والنشر العلمي.. الخ!! وفى المقال القادم نستكمل الحديث عن واقع التعليم العالي.