أوراق مسافرة
يستوقفنى فى دهشة رنين الهاتف الأرضى، قلة من يلجأون للهواتف الأرضية بعد الهجمات الشرسة لشركات الموبايلات، لا تفارقنى الدهشة وأنا ألتقط السماعة فرقمى سرى ومن يعرفونه قلة معدودة، يأتينى على الجانب الآخر صوت فتاة لم تتجاوز العشرين من عمرها، كلماتها متعثرة مترددة وصوتها خفيض، طلبت منها تكرار جملتها اكثر من مرة لأستوثق المعلومة وهى تقول «رقم هاتفك فاز بجهاز كهربائى»، اسألها بدقة: من أنتم؟، وكيف توصلتم لرقم هاتفى؟، وما هذه الهدية المريبة؟، تجيب بنفس التردد: «نحن الشركة المصرية للاستثمار فى الأجهزة الكهربائية، توصلنا لهاتفك من خلال آخر فاتورة قمت بدفعها، وفزت بجهاز كهربائى، إما لاب توب أو غسالة أو ثلاجة أو بوتاوجاز».
فأر الشك يعربد فى صدرى، لا لم تعد تنطلى علي هذه الألاعيب من شركات الاستثمار العقارى وقصة التايم شير بعد ان وقعت فى براثنها مرتين، وكان نصيبى محاضرات عقيمة عدة ساعات عن فائدة التايم شير بين عشرة أشخاص أو أكثر على شاليه لا يجد من يشتريه بمناطق لا يعلم بها سوى الله، أما جوائزهم فهى وهمية تماماً لا أصل لها، مجرد عملية نصب، ومن منطلق خبرتى السيئة جداً فى الوقوع فى فخ «تايم شير» سألتها بوضوح، هل أنتم شركة للاستثمار العقارى تروج لعمليات الشراكة على الشاليات «تايم شير» أجابت نفياً بكل حسم «إحنا شركة بيع واستثمار أجهزة كهربائية ليس لنا علاقة بتسويق العقارات، وستتسلمين جائزتك فور حضورك دون أى مقابل، واسألها وفأر الشك «واخد براح» على الآخر داخل عقلى: ودى طريقة دعاية مجدية بالنسبة ليكم، أجابت فى تردد أيضاً: نعم أرخص من الإعلانات، لأنها دعاية مباشرة مع الجمهور.
فى الواقع لم أقتنع بكلامها ولا أسلوبها ولا إجابتها، ولكنى تعلمت أن أصدر الأحكام مع نهاية التجربة، وتوجهت فى الموعد لمقر الشركة بالمهندسين، ووجدت سيلاً من البشر من كل الفئات والمستويات، الكل جاء لاستلام الجائزة الكهربائية المزعومة التى تقدمها شركة أجهزة كهربائية كنوع من الدعاية للمواطنين وفقاً لموظفات الشركة.
وتلقفنى موظف فموظفة.. فموظفة، ووجدتنى وقد وقعت فى الفخ الذى تحسبت له، الشركة للاستثمار العقارى وليس للأجهزة الكهربائية كما زعمت موظفة التسويق والشركة تتمسح باسم مصر لتمنح الثقة للمواطنين، تروج للشاليهات بنظام التايم شير، أما حكاية الأجهزة، فهى غطاء ونوع من الجذب للمواطنين الذين لا يزالوا يصدقون البشر، ولا يصدرون أحكاماً مسبقة على الأشياء قبل اختبارها، المهم أنى حضرت محاضرة عقيمة عن مزايا الشاليهات التى يقدمونها هنا وهناك، وحاولت إقناع نفسى بأنى قد أجد في العرض ما يغرى، ولكن فى الواقع دون جدوى وضيعت قرابة 3 ساعات من وقتى بجانب ساعتين قيادة رايح جاى أى خمس ساعات، إضافة لتوتر وصداع حاد، ولم أجد بداً من توبيخ الموظف والموظفة ومسئول التسويق على هذه الخدعة، وبرر الأخير وقدم الاعتذارات الفخمة، وزعم أن الموظفة أخطأت بهذه الخدعة، وأنها «افتكست» ما قالته من دماغها «وليس بتوجيه من الإدارة» وو..وو.
المهم يا سادة فين الهدايا المزعومة، فإذا به يقدم لى استمارة بها 3 أيام مجاناً بأحد الشاليهات، شريطة أن أتصل للحجز بها قبل 21 يوماً من السفر، طيب أوكيه رغم أن مش ده العرض، طيب وفين الجهاز الكهربائى، قال فى خجل: آسفين لا نسلم الأجهزة هنا، ستصلك على عنوانك خلال 48 ساعة، ولم أجد بداً من التلويح له بمهنتى، وأنى سألجأ لحماية المستهلك لشكوى هذا الخداع والدعاية الكاذبة للشركة، مما يسيء لها أكثر ممن ينفع ويجذب إليها العملاء.
انصرفت وأنا أكاد أتمزق غيظاً، وأقلب بين أصابعى ورقة الأيام الثلاثة الهدية فى أى شاليه، وقد عاد فأر الشك يلاعبنى، وكما توقعت مرت المهلة المزعومة ولم يتصل بى أحد لتسليم أى جهاز كهربائى، اتصلت بالشركة، أخبرتهم بالقصة، قالوا سنعاود الاتصال بك بعد ساعة، ومرت الساعة ووراءها كمان ساعات، وعاودت الاتصال، وجدتهم وقد عملوا «بلوك» على هاتفى، أى وضعوا رقمى فى قائمة الحظر السوداء حتى لا أوجع دماغهم بالمطالبة بتنفيذ وعدهم الذى سرقوا وقتى مقابله، اتصلت من هاتف آخر، ردت الموظفة، وكانت هى نفس الموظفة التى حددت لى الموعد من قبل مع الشركة لاستلام الجائزة، وذكرتها بالقصة، وقلت لها إن ما تفعله الشركة نوع من الاحتيال والنصب، فإذا بها تدافع بقوة «نصب إيه يا أستاذة إحنا ما أخدناش منك أى فلوس عشان ننصب عليكى»، قلت لها: يا بنتى النصب على البشر وسرقتهم مش بس فى الفلوس، ولكن فى الوقت، فى الخديعة، انتوا بتخسروا وتسيئوا للشركة بهذا الأسلوب الكاذب فى الدعاية بخداع الناس، المهم كلمة منى وكلمة منها، وانتهى الأمر على وعد بإرسال الهدية للمنزل.
مضى على القصة أسبوعان، ولم تصل أى هدية، ولم تعد الشركة ترد على أى هاتف، بل الأكثر كارثة أن الهاتف المسجل على استمارة الجائزة بأيام الرحلة الثلاثة المجانية غير موجود بالخدمة، وهكذا يا سادة تواصل هذه الشركات الاحتيال على المواطنين وسرقة أوقاتهم وخداعهم، دون أى مقابل، إنه بلاغ لجهاز حماية المستهلك وإلى كل مسئول بمصر، لمعاقبة كل الشركات التى تنتهج هذا الأسلوب الفاشل الخادع فى الدعاية لعقاراتها، والضحية هو المواطن، نعم يجب إيقاف هذه الشركات عند حدها حماية للمواطنين.
هامش:
سيادة المهندس طه عبدالهادى أشكرك على كلماتك الطيبة وعلى طلبك الجميل بأن يتم طباعة مقالى حول الإرادة والذى نشر يوم 20 يناير المنصرم تحت عنوان «إياك أن تتوقف» بخط كبير على ورق جيد ويوزع على المدارس الإعدادية والثانوية بجميع أنحاء الجمهورية وعلى السيدات فى المصالح الحكومية ليعلموا ويتعلموا كيف يكون التغلب على مصاعب الحياة وكيف يكون النجاح وتوفيق الله للمجتهد الذى لا يركن لتحميل فشله للظروف. فيسعى فيعطيه الله من فضله ويهبه ذكاء ينفعه وينفع به الناس ويخلد ذكره.