إن بداية تحديث أى منظومة ينبغى أن يكون بتحديث المنظومة التشريعية المنظمة لها، وإذا كان أول الغيث قطرة، وإذا كان بداية الطريق الطويل خطوة، فهذه الخطوة فى طريق تحديث وإعادة بناء التعليم المصرى ليحقق لنا الأهداف المنشودة ستكون خطوة واسعة، حيث يتطلب الإصلاح الشامل للتعليم المصرى بعض التشريعات الجريئة والجذرية تتمثل فى وضع قانون جديد للتعليم يتضمن النزول بسن التعليم الالزامى إلى مرحلتى الطفولة المبكرة ورياض الأطفال، وأن يكون المسئولون عن التعليم فى هذه المرحلة من المتخصصين فيها من خريجى كليات الطفولة ورياض الأطفال برواتب كبيرة ومجزية تمكنهم من التفرغ والاستمتاع بأداء مهمتهم فى تعليم الأطفال عن طريق اللعب وهم يجيدونها ويمكنهم من خلالها اكتشاف مواهب أطفالنا وتوجيههم التوجيه السليم نحو أنسب الطرق وأفضل التخصصات التى يمكنهم مواصلة تعليمهم بها.
كما يتضمن كوداً معيناً للمواصفات المثالية للروضات والمدارس التى تتيح تقديم الخدمات التعليمية بأحدث الأساليب والطرق التعليمية فى العالم.
أما بالنسبة لمعلمى المراحل التعليمية الأعلى (الابتدائى والاعدادى والثانوي) فلابد أن يكونوا من خريجى كليات التربية وألايمارسوا مهمتهم فى المدارس إلا بعد الحصول على رخصة مزاولة المهنة والتى ينبغى أن يجددها المعلم كل خمس سنوات على الأكثر من خلال الحصول على شهادات برامج دراسية متنوعة ومحددة تحت اشراف الوزارة وخاصة فى مجال تخصصه الدراسى وذلك بالتعاون مع الكليات التخصصية المختلفة. وأن يكون استمرار تعيينهم بالمدارس الحكومية والخاصة مشروطا بتقديم الخدمة التعليمية داخل المدارس وأن يتفرغوا تماما لأداء مهامهم التعليمية والتربوية وأن يحرم عليهم تماما الدروس الخصوصية بأى شكل من الأشكال ومن يخالف ذلك وتثبت عليه المخالفة يفصل فوراً ويحرم عليه التعيين فى نفس المهنة بأى شكل من الأشكال. وبالطبع فإن هذه التشريعات الحاسمة ينبغى أن تتواكب مع تشريع أهم وهو رفع رواتب المدرسين وعلاواتهم السنوية بما يكفل لهم العيش الكريم ويعيد إليهم مكانتهم الاجتماعية وكرامتهم الإنسانية وسط تلاميذهم وفى المجتمع.
ومن جانب آخر، ينبغى إعادة النظر فيما يسمى شكلاً بمجانية التعليم لأن الواقع أنه لم تعد هناك مجانية على أى مستوى، فما نجعله مجانيا من زاوية التزام الحكومة يجعله النظام التعليمى الفاسد والفاشل تعليماً بمصروفات باهظة حيث لم تعد هناك مرحلة تعليمية بدون دروس خصوصية ولا يستثنى من ذلك أولاد الطبقات الفقيرة فالكل لم يعد يحصل فى المدرسة من الحضانة إلى الثانوية العامة على الخدمة المجانية، وعلى ذلك وحتى تكون هناك مجانية حقيقية ينبغى ألا يحصل عليها إلا من يستحقها فعلاً من أبناء الطبقات الفقيرة على أن تدعم الدولة باستمرار هؤلاء الأبناء طالما يواصلون النجاح والتفوق وألا تدعم الدولة من يرسب بأى شكل من الأشكال.
وينبغى أن يتضمن هذا القانون الجديد للتعليم إلغاء كافة صور التمييز فى التعليم، فلا تعليم للمصريين بكافة طبقاتهم إلا التعليم المصرى الخاضع للاشراف من قبل وزارة التعليم المصرية. وأن تقتصر صور التعليم الأخرى الأمريكى والانجليزى والألمانى والفرنسى واليونانى.. إلخ على أبناء هذه الجنسيات فقط ولايسمح للمصريين المقيمين فى بلدهم أن يتعلموا إلا التعليم المصرى، فالتعليم هو ما يصنع الهوية ويكسب الانتماء لأبناء الوطن.
أما بالنسبة لتعليم اللغات الأجنبية فينبغى أن يتساوى فى امكانية ذلك كل المصريين فلنعلمهم منذ الصغر لغة أخرى إجبارية إلى جانب لغتهم العربية كما يمكن أن يتعلموا لغة أجنبية ثانية حسب رغبة الطالب، على أن يكون التعليم كله ما عدا هذه اللغات الأجنبية باللغة العربية بما فيها الرياضيات والعلوم الطبيعية وكافة المواد الدراسية إذ من المعلوم أن تعلم العلوم باللغة القومية هو الدافع الحقيقى لإتقانها والنبوغ فيها.
كما ينبغى أن يتضمن القانون الجديد إلزاماً بتغيير اللوائح الدراسية والمناهج التعليمية كل خمس سنوات على الأكثر بحيث تظل مناهجنا مواكبة لكل جديد يطرأ فى العالم سواء من حيث محتوى المقررات الدراسية أو طرق التدريس. وأن تكون هذه المهام موكولة لمركز تطوير المناهج ومراكز التدريب المتطورة فى الوزارة، وأن تكون الأخيرة مسئولة عن إعطاء رخصة مزاولة المهنة والاتفاق على الدورات التدريبية التى ينبغى أن يحصل عليها المعلم حتى يمكنه الترقى وتجديد رخصته المهنية.
وكذلك ينبغى أن يحدد القانون الجديد الشهادات التى ينبغى أن يحصل عليها الطالب قبل التحاقه بالجامعة دون الالتزام بعدد سنوات معينة، وذلك لإتاحة الفرصة للمتميزين والموهوبين للالتحاق بالدراسة الجامعية أيا كان عمرهم طالما نجحوا فى الحصول على شهادة إتمام الدراسة الثانوية.