«محمد».. لا يتعدى عمره 10 سنوات.. جلس يستذكر دروسه في شارع وبصحبته أشياؤه التي توفر له قوت يومه!، ليس أكثر من مشهد عابر يقفز أمام عينيك الآن في الشارع الرئيسي بمدينتك أو في إشارة مرور، لكن قصصاً كثيرة أبطالها «محمد وإخوته» أوجدت- ولا تزال- حالة من الجدل والتفاعل في الفضاء الإلكتروني الواسع!. هل يمكن للفقير أن يتعلم مجاناً وبجودة عالية؟!
نتفق جميعاً أنه بالتأكيد لن يتعلم إذا يئسنا من تغيير الواقع!، لن نؤسس مستقبلاً يليق بـ«محمد» وإخوته إذا ارتضينا بالانهزامية!، فقط بالتفاؤل والثقة في القدرة على صنع واقع جديد تكمن القصة!
تحت عنوان «5 مدن واعدة.. منهجيات إصلاح التعليم»، صدر التقرير الدولي الذي يعد الأول من نوعه عالمياً عن إحدي المؤسسات الدولية للأبحاث والاستشارات التعليمية في المملكة المتحدة، يتناول قصص نجاح 5 مدن للارتقاء بالتعليم هي: «لندن ونيويورك ودبي وريو دي جانيرو البرازيلية وهو تشي منه الفيتنامية».
توقفت كثيراً أمام قصة مدينة «هو تشي منه» في فيتنام- كانت الدولة الأفقر على الإطلاق من بين 65 دولة شاركت في اختبارات PISA 2012 التي تقيس مهارات الطلبة في عمر 15 سنة في العلوم والرياضيات- وعلى الرغم من ذلك نجحت المدينة في تحقيق المرتبة الثامنة عالمياً في مادة العلوم، حيث تفوّق الطلبة الفيتناميون على أقرانهم في دول أكثر ثراءً مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وغيرهم.
فيتنام حقّقت نتائج تواكب ما أنجزته دولٌ أكثر ثراءً، لتؤكد للعالم أن مستوى الدخل الوطني ليس عاملاً وحيداً وحاسماً في تحديد مخرجات التعلم. هل يمكن «للفقير» أن يبدع ويتفوق؟!
استغرق إصلاح نظام التعليم المدرسي في فيتنام أكثر من 15 عاماً من العمل بعزيمة وإصرار، وتقول إدارة التطوير الدولي في جامعة أكسفورد في نتائج دراسة لها شملت أربع بلدان- شملت فيتنام- أن «فيتنام هي منارة الأمل» وأن أداء طلبتها كان «استثنائياً بكل المقاييس»، إذاً، كيف تحقق ذلك»؟!
يذكر التقرير أن استراتيجية الإصلاح قد ارتكزت على تحقيق استفادة أكبر من قدرات المعلمين والمصادر المتاحة وتطبيق منهاج تعليمي جديد وأساليب تدريس جديدة وحديثة تضع الطالب في محور العملية التعلمية، ورفع الكفاءات المهنية للكوادر المدرسية، وذلك في ظل دعم قيادة سياسية ملتزمة وذات رؤية محددة.
قصة مدينة هو تشي منه تؤكد أن تدبير الموارد المالية يعد عاملاً ضرورياً لكنه ليس عاملاً وحيداً، فوجود الأموال لا يعني بالضرورة تحقيق التغيير المطلوب، بل إن الاستخدام الموجه للتمويل في تحسين مستويات المعلمين وتدريبهم قد ساعد على ترسيخ أساليب حديثة في التعليم والتعلم.
كان المسئولون عن إدارة الإصلاح في مدينة «هو تشي منه» في تواصل دائم ومشاركة فاعلة وتعاون مؤثر مع مختلف الأطراف المعنية بالعملية التعليمية حول عمليات الإصلاح، بل كان لدى كل فرد بجميع مستويات النظام التعليمي فهماً لافتاً لأجندة الإصلاح وللدور الذي ينبغي عليهم أداؤه من أجل إحداث التغيير المنشود في المدينة.
في هذه المدينة، يتم انتخاب مديري المدارس– الذين يتولون مسئولية متابعة جودة التدريس وتحسينه- من قبل كافة العاملين في المدرسة، ليحظى بعد ذلك بموافقة الجهات المعنية، كما يحظى مديرو المدارس أيضاً باستقلالية أكبر وصلاحيات واسعة في مدارسهم مقارنةً بالعديد من نظم التعليم المدرسي الأخرى، وماذا أيضا؟!
يحظى تدريب أعضاء القيادة المدرسية بأهمية بالغة في فيتنام، حيث يوجد فيها معهدان وطنيان لتأهيل القيادات التربوية وتطويرها بمن فيهم مديرو المدارس، ويقع المعهد الأول في مدينة هانوي شمالاً والآخر في مدينة هو تشي منه جنوباً، إضافة إلى تدريب القيادات التربوية، يُعنَى هذان المعهدان أيضاً بإجراء أبحاث حول جوانب الإدارة التربوية، ويتلقى مديرو المدارس ونواب المدراء التدريب اللازم قبل توليهم مناصبهم.
الأسبوع القادم: سيدة «ريو دي جانيرو»، التي ارتقت بالتعليم!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض