أضاع الحكام العرب خلال اكثر من ستين عاماً مضت على بلادهم وشعوبهم فرصة الحياة الكريمة والانخراط فى قائمة الأمم المتحضرة والمنتجه.. حصلنا على استقلالنا من الأجنبى ووقعت الشعوب تحت احتلال أنظمتها لذاكرتها ومصائرها ومقدراتها، وبدلاً من استثمار ثروات الشعوب فى البناء والإنتاج والعلم ضاعت الثروات التى تفجرت ينابيع نفط وذهب فى بناء مدن الوهم وفى ترف عابر وهيلمان كاذب.
والآن دقت ساعة الحقيقة واقتربت النيران من القصور ويوشك أبطال الوهم أن يتجردوا من أوسمة ونياشين الخداع التى ظلت تلمع فوق الصدور لمعان السراب تشير إلى بطولات لم تحدث وفرسان لم يمتطوا يوماً جواداً ولاحماراً.
النار المشتعلة اليوم فى عواصم ومدن عربية هى آخر الحرائق التى بعدها لن يكون العرب هم العرب ولن يكون التاريخ هو التاريخ، إننا أمام أبشع وأحط فترات التاريخ حين ننجر لحروب فى القرن الحادى والعشرين بأوامر صادرة وقادمة من القرن الأول الهجرى.. إننا أمام مهزلة العقل والحكمة وأمام حالة سقوط جماعية غير مسبوقة وكأن آخر سدود العقل قد سقطت لتجتاحنا عواصف الجنون التى نفقد معها القدرة على التمييز بين الحق والباطل، بين الجمال والقبح، بين العدل والظلم، بين الحياة والموت، وحين تفقد أمة ما القدرة على التمييز بين الحياة والموت فانها أمة قد ماتت بالفعل ووريت تراب التاريخ.. من قبل الحقبة الداعشية ومن قبل العبث الأمريكى بالمنطقة غزوا واحتلالا ومن قبل اجتياح صدام للكويت، ومن قبل كامب ديفيد الساداتية.
هل كنا بخير أم أننا أضعنا كل شىء بعد أن استبد بنا مرض لعين اسمه «الأمية التاريخية» مرض يعنى أننا كأمة نكرر نفس الخطأ الف مرة وننتظر فى كل مرة نتيجة مختلفة، نندفع نحو الهاوية ونحن رافعون رايات المجد، نتجرع مر التخلف عن الأمم ونحن نقيم مهرجانات العز والفخر، تمتطينا الأمم بعلمها وعملها وقوة انتاجها ونحن نركب أحصنة من خشب ونشهر سيوفاً من القش وننتقل من حرب إلى حرب ومن ملك إلى ملك ومن رئيس إلى رئيس ومن أمير إلى أمير ونخطب نفس الخطب ونردد نفس الأغنيات ونسكر بنفس الخمر الفاسد الذى ذهب بعقول السابقين ونخسر نفس المعارك لذات الأسباب التى دخل بها السابقون معاركهم وخسروها، ومازلنا نتلو نفس الآيات التى تبرر حربنا او استسلامنا، ظلمنا وغشنا، مازلنا نرد هزائمنا إلى متآمرين عجم يضمرون لنا الشر منذ الف عام واكثر برغم أن من تولوا أمورنا يذوبون عشقاً فى كل غريب أعجمى، وتلهمهم شواطئهم وتلهيهم مفاتنهم، وعندما يدنو السقوط نلعن تآمرهم، هجم علينا النفط فأضعناه حين لم نحوله إلى مصانع وحقول وأنهار خير وحولناه الى قصور وفتن ومكائد وبحار ملح وقهر.. هجمت علينا الثورات وتحررنا ورفعنا شعارات الاستقلال والقومية العربية وظهر عند فجر الحلم مارد أسمر قرأ التاريخ وفهم سيرة الأمم ودروب العزة والكرامة، وصرخ فى برية العرب أن اتحدوا فتفرقوا، أن اقتربوا فتباعدوا، أن اخلصوا فتآمروا، ورحل المارد الحالم حاملاً معه حلمه وأنينه ولكن الأخطر أنه أخذ معه كل رصيدنا من الكبرياء، وكل أمة لا تعتبر كبرياءها فى حريتها وحريتها فى علمها وقوتها فى عدلها وعدلها فى عظمة إنتاجها هى امة على وشك الخروج من التاريخ.
إن عرب اليوم يتدثرون بالماضى الذى يداعبهم ومن المداعبة للإغراء ومن الإغراء للغواية ومن الغواية لحقيقة السقوط فى ساحات الحروب الخاسرة التى يتقاتل فيها الناس ليس دفاعاً عن مستقبلهم وصروح مجدهم العلمى والحضارى ولكنهم يا للخسران يتقاتلون حول ولاءات كاذبة لمذاهب فقهاء وأقوال أنبياء وأوامر من السماء.
كم دولة سقطت من قبل وكم إمارة وكم أمير وسلطان؟ كم حرب خسرناها فى كتب التاريخ وكم ثروة ضيعناها ؟ كم أمة نهضت من حولنا وعلا نجمها بالعلم والعمل ونحن هنا قاعدون نركن ظهورنا على وسائد التاريخ المدغدغ لمشاعرنا والسالب لعقولنا، إننا لا نقرأ ليس لأننا لا نجيد القراءة ولكن لأننا غير مشغولين بالمستقبل وما دمنا نعيش فى الماضى، فلسنا بحاجة إلى تأمل التاريخ لأننا فعلياً نعيش قرونه الأولى بجاهليتها وبداوتها، وقد تحولنا بنظر العالم الآخر من أغيارنا إلى دمى تاريخية معروضة بفتارين العصر ومنشورة بأخباره ومرئية على شاشاته. وخلاصة القول إن مصر عليها أن تنجو بجلدها ونهرها وتاريخها من تلك النهاية التى قد تكون بانتظار الكثيرين ممن حولنا، وهذا إذا افترضنا أننا قيادة وشعبا لا نعانى من مرض الأمية التاريخية المنتشر كالوباء بمدن وصحارى الإقليم.