رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

 

بعيداً عن السياسة وهمها وغمها، وبعيداً عن أحوالنا الاقتصادية التى لا تسر عدواً ولا حبيباً أهدى كلماتى هذه المرة إلى امرأة.. امرأة تدعى أسماء لأنها تستحق أن أكتب عنها، وأن انحنى لها احتراماً، القصة ببساطة أن أسماء اكتشفت بعد سنوات طويلة من العشرة والتضحية مع زوجها أنه متزوج عليها بأخرى، باع العشرة وكل ما بذلته من شباب وعطاء لتؤسس معه أسرة وتربى ثلاثة أولاد أكبرهم طالبة فى الثانوية العامة، ولم تكن المرة الأولى التى يخونها فيها، فكم صبرت على نزواته، وعلى علاقاته فى محيط عمله مع زميلاته، كم تجاهلت رسائل حب عبر الهاتف وسهراته أمام الشات ليحادث هذه وتلك، وكانت تقول لنفسها مثل أى زوجة مصرية راضية بقسمتها «نزوة وتعدى»، لكنها هذه المرة تأكدت أنه تزوج بأخرى، وبالطبع الزواج له تكاليف، والأخرى لا تتوقف طلباتها لاستنزاف أمواله على حساب بيته ونفقات أولاده، فمنع عنها المصروف، بل بدأت يده تمتد إلى مالها لأنها تعمل، فضاق بها الحال واختنقت الحياة حولها، وقررت القفز من طوق النار، وأن تتركه للأخرى، وتكفى نفسها وأولادها شر «النكد»، فالبنت فى الثانوية العامة.

واختارت الانفصال، وكانت المفاجأة الكبرى لها، أن أولادها الثلاثة اختاروا العيش مع أبيهم، لا تعلم كيف أقنعهم بهذا، وكيف هان على ابنتها وولديها أن يفارقوا حضنها، وكان هذا انتقامه منها ليعاقبها لأنها قررت الانفصال، وقررت الاحتفاظ بباقى كرامتها، ولعل الأولاد شعروا بمدى العبء المالى الثقيل على أمهم، فقرروا أن يحملوا هذا العبء لوالدهم، خاصة أن راتبه كبير، ويمكنه تدبير نفقاتهم بجانب زوجته الجديدة حال ضمهم معها فى بيت واحد.

وهكذا انفض الجمع حول أسماء، وجدت نفسها وحيدة، بعد أن كان البيت يضج بالحياة والسعادة، ضج بالتعاسة والكآبة بسبب امرأة قررت فى لحظة غفلة من الضمير أن تسلبها زوجها، وكأنها لم تجد من بين الرجال إلا هذا الزوج والأب لتستولى عليه رغم وجود عشرات الآلاف من الرجال الأرامل والمطلقين كان يمكنها أن تنتقى أحدهم دون أن تخرب بيت أخرى، أشهر طويلة وأسماء تنزف دمعها وأحزانها وحيدة، وتتسول الزيارات والسؤال من أولادها، فقد نجح الأب فى أن يعمل لهم «غسيل مخ» فباتت زياراتهم لها متباعدة، ولا تتم إلا إذا احتاجوا دعماً مالياً منها، وعاشت أياماً كئيبة سوداء، حتى ظهر لها هذا الإنسان، كطاقة نور فى سرداب طويل مظلم، كقطرة مطر فى صحراء حياتها التى باتت جرداء، زميل لها فى العمل، كان يعلم كل ما مرت به من ظروف، وإذا به يعرض عليها قلبه وحبه، ويتوج هذا بعرض الزواج.

تعترف لى أسماء أنه أيقظ مشاعرها، وأن الحياة بدأت تدب فى قلبها ليستعيد النبض من جديد، وباتت تعيش على كلماته كقطرات الندى على ورقة شجر ذابلة عطشى لتعيد إليها الحياة، وتمنت فى كل لحظة أن يضمهما بيت واحد، ولكن لحظة.. تمهلى.. توقفى، أنه متزوج ولديه أولاد، حقا توجد مشاكل متراكمة بينه وبين زوجته كما كان يحكى لبعض أصدقائه المقربين فى العمل، وأن حياته مع زوجته صارت شبه مستحيلة، وأنهما منفصلان نفسياً وجسدياً منذ فترة، فقط يحافظان على بقاء الأسرة من أجل الأولاد والشكل الاجتماعى.

وحاول أن يقنعها بالزواج منه، ولكن بصورة سرية حتى يتمكن من التمهيد لأولاده ويعلن أنه تزوج بغير أمهم، خاصة أن أولاده فى مراحل تعليم مهمة، ولا يمكن زلزلة استقرارهم وتشتيت تركيزهم بتفجير مثل هذا الأمر، وتمر الأيام وهى فى حيرة من أمرها، هل تستجيب له وتبنى سعادتها على حطام أسرة، هل تأخذه من زوجته للأبد، لأنه من المؤكد سيطلق زوجته بعد أن يستقر معها فى حياته، وهل يمكنها احتمال تصور عذاب الأخرى وقد فقدت زوجها بسببها، حتى وإن كان ما بينهما من علاقة صار شيئاً هلامياً متآكلاً، باتت أسماء ليالى طويلة تفكر وتستخير الله، هل تتزوجه وتأخذه من زوجته وأولاده، لتعيش الأخرى ما عاشته هى من ألم وعذاب وحرمان ووحدة، أم تتركه وترفض أن تكون سبباً فى دمار بيت وتخريب كيان عائلة وسرقة سندهم وعائلهم، وهداها الله إلى القرار الصواب «لا سعادة بين الأطلال» لا سعادة على حساب تعاسة الآخرين، فبعد أن تتزوجه ستذهب النشوة لتأتى الفكرة ويحل الندم، وستجد نفسها تعاني الذنب ووخز الضمير لتسببها فى تفريق هذه الأسرة.

تقول أسماء لى «لقد حولت دورى من امرأة عاشقة له وتحلم بالزواج منه إلى أخت له وصديقة مخلصة، قضيت معه ساعات طويلة أناقش معه مشاكله مع زوجته، وأطرح الاسباب والحلول لها، وأنصحه بأن يلجأ إلى هذا ويلتزم بهذا عسى أن يصلح ذات البين معها، نصحته أن يقدم التنازلات، ويظهر الحب والمعاملة الرقيقة التى تجعل الحجر يلين، ويوماً بعد يوم، شعرت أن أحواله تغيرت، بدأت ملامح الاستقرار والهدوء تظهر عليه، وبدأ يفضفض بأنه بدأ يستعيد زوجته، وبدأ يستعيد شعوره بأنه رجل البيت وسنده وعائله، استعاد حبيبها أسرته، وبدأت علاقته معها كحبيب تتباعد، وشعرت هى بسعادة غريبة فريدة لأنها لم تسرقه ولم تحرم أسرته منه، وأنها لم تقم بدور الأخرى التى سرقت زوجها منها.

تحية خاصة للسيدة أسماء، ولكل سيدة تحترم نفسها، وتحكم ضميرها وعقلها، ولا تهرول وراء مشاعرها، وترفض خراب بيت أخرى، لقد حطمت أسماء بأخلاقها الجميلة النادرة كل ما ورد فى كتاب «الأمير» لمكيافلّي هذا الكتاب الذى صار مرجعا لكل الوصوليين الذي بنوا عليه استراتيجياتهم النفعية انطلاقاً من قاعدته «الغاية تبرر الوسيلة» ليبنوا سعادتهم على حساب الآخرين وليجدوا أنفسهم بعد هذا وحيدين بين أطلال خراب صنعوها بأنفسهم للآخرين، حقاً تواصل أسماء العيش فى وحدة، ولكنها سعيدة، ومن المؤكد أن الله سيعوضها خيراً ويبعث لها رجلاً ليس له زوجة لتكون هى زوجته الوحيدة وحبيبته وكل حياته.

[email protected]