رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

ها هو يلملم أوراقه ويتسربل بالرحيل ليصبح من الماضى، ها هو يطوى أياماً بيضاء فرحنا فيها وحملت إلينا الأمن والخير والسعادة، وأياماً سوداء حملت إلينا الخوف والإرهاب وسرقت منا الأحلام وأغلى الأحباب فبكينا وحزنا، وأياماً أخرى رمادية بلا ملامح قبعنا فيها فى صفوف المشاهدين نراقب الأحداث ونهز أكتافنا بلا مبالاة، ولا نكلف أنفسنا حتى عناء التصفيق للمضحين لأجلنا ولا للناجحين المتشبثين بالعمل فى إصرار ولا عناء الصراخ فى وجوه من يحملون معاول الهدم لهذا الوطن.

ها هو يرحل بحلوه ومره، فهل يجب أن نتركه يرحل دون أن نتوقف أمامه أو نتأمل أحداثه قليلاً، هل يمكن أن ندعه يمر ليطوى عاماً من تاريخنا الشخصى وتاريخنا فى هذا الوطن الحبيب، هل نتركه يرحل ونهلل للقادم بالاحتفالات والألعاب النارية والتهانى والأمنيات دون أن يفتح كل منا لنفسه كشف حساب، ماذا فعل على مدى هذا العام المنفلت، ماذا قدم لنفسه.. لأسرته.. لمجتمعه لبلده، هل كان عنصراً فعالاً بناءً، ساهم فى وضع لو لبنة واحدة ليبنى شيئاً إيجابياً نافعاً فى هذا الوطن، هل أنجز أى منا واجباته المفروضة عليه، هل أدى الطالب واجباته وذاكر دروسه كما ينبغى له، هل أدى العامل عمله ولم يتراخ أو يتكاسل أو يخرب آليات مؤسسته فى غيبة من الضمير أو فى ثورة انتقام لحق ضاع عليه أو حافز وعلاوة لم تصبه.

هل أدى الموظف عمله فى خدمة الجمهور دون تعطيل أو تزويغ فى ساعات العمل أو تأفف ودون أن يمد يده إلى رشوة أو ثمن كوب شاى استولى عليه من مواطن «غلبان» لقضاء مطلبه وإنهاء أوراقه، هل أدى كل إنسان أو مسئول أياً كانت مسؤليته أو منصبه ما كان مطلوباً منه من عمل خلال هذا العام، ليطمح ويأمل فى استقبال عام جديد يكون أفضل ويحمل له الخير والرفاهية والسعادة، أم أننا جميعاً أو غالباً قبعنا فوق فراشنا طلبا للراحة.. فوق مكاتبنا التى يعلوها التراب نلوك الأحلام ونحتسى أكواب القهوة والشاى، خلف شاشات التلفاز فى كسل وترهل، دون أن نفعل شيئاً إلا أقل القليل من العمل الذى يضمن لنا رواتبنا، ويضمن لنا فتات نقتات بها دون طموح أو سعى أو عمل جاد حقيقى، ونحن نلعق الأحلام، ونطلق اللعنات على حظنا العاثر فى أننا ما زلنا لم نبرح أماكننا التى كنا عليها قبل عام أو أعوام، وأننا لم نحسن من أوضاعنا المالية ولا العملية، وأننا لم نتقدم ولم نتطور، فى حين غيرنا «وهم قلة» حققوا الثروات، حققوا النجاحات، حققوا القفزات العملية والعلمية المتطورة، وسبقونا على الأقل بخطوة أو بآلاف الخطوات لأنهم لم يتوقفوا عند حدود الحلم، بل عملوا على تفعيل أحلامهم بالعمل والسعى والحركة والتمسك بالوسيلة، فكان الله فى عون وسيلتهم ليحققوا شيئاً جديداً إضافياً ناجحاً فى حياتهم جزاء سعيهم وكفاحهم.

للأسف إننا فى معظمنا لا نعمل بجدية، ونكتفى بالأحلام دون السعى لتحقيقها، نتكاسل ونبات نلعن حظنا، نضيع الفرص ونلعن من اقتنص هذه الفرصة، «نركن» عقولنا ونلعن من «شغل» عقله بشرف ليكون شيئاً، نكتفى بمراقبة الناجحين وهتك سيرتهم، بل بالحقد عليهم وحسدهم، ولا نبحث أبداً فى أسباب نجاحهم لنتبع خطاهم الشريفة، بل نحاول أن ندارى خيبتنا وكسلنا وفشلنا فى كيل الاتهامات للناجحين، ومحاولة هدم نجاحهم بالتشكيك فى شرفهم وفى الوسائل التى حققوا بها نجاحهم، لنرضى أنفسنا ونرضى كسلنا ونقنع أنفسنا بلا لوم لها بأنه ليس من الإمكان أفضل مما كان أو أفضل مما صرنا إليه.

ويحضرنى فى هذا قصة مهندس معمارى شاب يدعى ممدوح البيومى، حين تخرج فى كليته القمة، لم يقف فى صفوف العاطلين منتظراً الفرج، ولم يقبع بين جدران منزله لاعناً حظه لانعدام فرص العمل بشهادته التى «طفح» فيها دمه هو أسرته، بل «شغل مخه» جمع مجموعة من زملائه خريجى الهندسة فى تخصصات مختلفة، بجانب صديق له محام، وقرروا عمل مكتب صغير للمقاولات وتشطيب العقارات، إمكانيات ضئيلة جداً جمعها مادياً هو وزملاؤه، مجرد غرفة فى شقة أحدهم وكانت منها البداية، وبدأوا عملهم فى إطار الأصدقاء والمعارف وتوسعت بهم الأعمال فاستأجروا مكتباً خاصاً، وتحول المكتب إلى شركة ناجحة تحقق لهم من الدخل ما يكفى الشركاء لأن يفتح كل منهم بيتاً ويتزوج، هكذا بدأوا وهكذا انتفضوا من تراب اليأس والكسل ولعن الحظ، ومصر مليئة بالشباب والعقول الواعية الناضجة، فقط عقول تحتاج إلى تحريكها، إلى أعمالها وتفعليها بالفكر والانطلاق إلى حيز التنفيذ فى مشروعات صغيرة أو متناهية الصغر، تكون بداية الخطوة والانطلاق نحو مستقبل أفضل، فليس فقط العاملون منا هم الكسالى المكتفون بالنوم فوق التراب والحسرة على كل ما يفوتهم من نجاح وتقدم ورفاهية، بل أيضاً للأسف شبابنا الواعى المتحضر ذو الفكر المستنير من خريجى أكبر الجامعات، ولننظر إلى الأوروبيين نظرة تأمل، كل يوم يمر على أى أوروبى يستغله فى إضافة شىء جديد له، عملياً، حياتياً، ترفيهياً، لا يقف شبابهم لاعنا الحظ فى طوابير البطالة، بل ينطلقون للعمل فى أى شىء مهما كان متدنياً، لينطلقوا منه إلى الثراء والنجاح، إنهم ينفذون وصية الله ويرثون الأرض وعمروها ولا يتوقفون عن العمل أما نحن فلا.

مع العام الجديد أتمنى أن يكون عام العمل، أن نرفع فيه شعار العمل الحقيقى الجاد، أتمنى أن ننتفض، أن ننهض من رقدتنا أن ننفض أتربة الكسل والتراخى والإهمال، أن نهب جميعاً لنضيف لأنفسنا شيئاً، لبلدنا شيئاً، ففى العمل والكفاح حياة وتقدم ورفاهية.

وكل عام وأنتم بكل الخير

 

[email protected]