إذا كان الحب يصنع المعجزات، فالاحترام يبني الواقع، استمرار الحياة مرتبط بتطور الواقع، أما المعجزات فهي حالات استثنائية تتجاوز الواقع وأحياناً العقل.. وأشهر قصص الحب أكثرها فشلاً، أما أطول روايات الحياة فهي التي كان الاحترام سيد كل فصولها.
نحن في مصر عشنا كمجتمع رومانسية ثورة 1952 وانعكست الرومانسية على كلامنا وأغانينا وملابسنا وأحلامنا والأهم من كل ذلك أنها انعكست على علاقات الناس بعضهم البعض.. رومانسية الخمسينات والستينات لم تكن تحليقاً في الفضاء بلا أجنحة ولكنها كانت اكتشافاً لطاقات مجتمع ونظام حكم وتعبيراً عن حالة احترام رائعة بين كل العاشقين للحلم.. النظام انحاز إلى البسطاء بعقله وعواطفه واحترامه الكبير لدور أبناء هذه الطبقة التي حفرت قناة السويس تحت سياط الاستبداد والقهر وحاربت داخل وخارج مصر وزرعت وبنت وأنجبت لمصر عمالقة الآداب والفنون والعلوم.. عرق ودموع ودماء هذه الطبقة دخلت جيوب الأغنياء ذهباً وماساً.. الناس انحازوا للنظام إلى حد العشق ولكنه لم يكن عشقاً أبله وإنما عشق المدرك لجمال وروعة وصفاء مقاصد من يحب.
أي نظام سياسي يحتاج لاحترام الناس قبل حبهم.. العواطف الجياشة سريعة الظهور وسريعة التبخر، أما الاحترام المبني على حقائق فإنه يولد طاقة جبارة على الاستمرار وإيجابية الفعل.. نفس نمط العلاقة لو ساد بين الأفراد لتغير حال المجتمع.. مشكلتنا في مصر منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي أننا نتكلم كثيراً عن الحب ولا نحب ونعشق رياضة كرة القدم ونفتقر للخلق الرياضي ونندب حظنا أن سوق السياحة مضروب ولا نملك الحد الأدني من الثقافة السياحية وخلق استقبال الزائر.
كثيراً ما نبكي على زمن فات من الاحترام والأمانة والمودة بين الناس ونحن نمارس حياتنا بشكل مغاير تماماً لهذا الزمن الذي نبكي عليه.. شيء غريب كيف يتحدث كل الناس تقريبا بمنطق واحد ويفعلون عكسه.. هل نحن مصابون بحالة انفصام جماعية؟ هل نحن أدمنا الكلام واعتبرناه يغني عن الفعل؟ هل نحن شعب طحنته الأزمات طوال أكثر من نصف قرن لدرجة أنه فقد ذاكرة المنطق والعقل والصدق؟ كيف لشعب قبل مائة عام كان يعاني أكثر من تسعين بالمائة منه من الأمية ومع ذلك عشقوا وحفظوا أغاني أم كلثوم وعبدالوهاب ورددوا قصائد أروع الشعراء المصريين وغير المصريين، ثم بعد أن تعلم معظم المصريين إذا بهم يعجزون حتى عن التحدث بعربية سليمة ويهربون من أي فن راقٍ ويقبلون دائماً على أي منتج ثقافي محدود القيمة لدرجة أن كتب التنجيم والتخسيس تبيع أكثر من روايات نجيب محفوظ.
ماذا حدث لنا؟ سؤال قصير لكن أهمية وخطورة الاجابة عليه أن ما حدث لنا نتيجته ظاهرة جداً في حالات كثيرة آخرها الانتخابات البرلمانية ومن وصلوا إلى البرلمان وتركيبة هذا البرلمان.. هذا المشهد السياسي يرد على السؤال القصير ويفسر ماذا حدث لنا؟ أخطر شيء أن يتحول العبث إلى معقول ونتعود عليه ويصبح المعقول بعد وقت ما عبثياً وثقيلاً على النفوس ومنفراً لمعظم الناس.. هذه الحالة إذا تحكمت بثقافة مجتمع فإن فرص تقدمه تصبح ضئيلة إذا لم تتحمل الدولة مسئوليتها بوعي وتدرك أن الإنفاق على الثقافة وإعادة ترميم الشخصية المصرية أهم ألف مرة من بناء عاصمة جديدة.. الإنسان الجديد أهم.. خطط الدولة مهما بلغت درجة الطموح بها ستظل بحاجة إلى وعي جمعي.. إلى شعب قرر أن يحترم نفسه واجياله القادمة.. إلى جيل جديد يعتزل ترف إهدار الوقت ويتعود على أن الخبرات والمهارات لا تتكون على النواصي والكافيهات ولكن هناك قنوات أخري موصلة إلى ذلك.
الدين ليس معطلاً للتقدم ولكن التدين الكاذب والمتخلف هو المدمر للحياة كلها.. لو كنا مؤمنين بأن الله خلق الكون بشراً وحجراً وكائنات من كل لون وجنس، فالطبيعي أن هذا الخالق ليس بحاجة إلى أن نتقاتل ونسفك دماء بعضنا البعض بحجة الدفاع عن الله والحفاظ على شريعته.. نحن الذين بحاجة دائمة إلى رحمة من خلقنا وكرمه, أما من يدعون أنهم الأكثر حرصاً على دنيا الله وقوانينه فإنهم الأكثر عداوة لله والإنسان والإنسانية.. العاشقون يحترمون معنى العشق.. ومن يعشقون بلا احترام لقوانين العشق فإنهم خارجون على القانون ومهاجرون غير شرعيين إلى قلوب فقيرة وأوطان كاذبة.