رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

قدم الرئيس السيسى فى خطابه المهم فى ذكرى المولد النبوى الشريف نموذجا حيا رفيع المستوى للإيمان الحق ، الصادق، القادر على مخاطبة العصر،فالإيمان قضية فردية بين الإنسان وخالقه ،ولا وصاية عليه من أحد، ولا إكراه فى الدين. إيمان لا  يقبل التفرقة  بين المؤمن والمواطن، ولا يفرق بين المؤمن والمؤمن ولا المواطن والمواطن ، الكل أمام القانون سواء. إيمان يقبل بالآخر المختلف ، ليس فحسب فى العنصر والعرق والجنس واللون ، بل المختلف فى الدين والمذهب والعقيدة، فالأديان جميعها كما أشار خطاب  الرئيس، مردها إلى الله، ومن يعترض على هذا التنوع الدينى والمذهبى فكأنما يعترض على مشيئته. إيمان يستلهم دعوات رفاعة الطهطاوى فى منتصف القرن التاسع عشر لتبنى قيم المواطنة  باعتبارها السبيل الوحيد لتماسك المجتمعات  الإسلامية . إيمان يلفظ التخلف والعجز عن التفكير وعن إعمال العقل، ويحض على تجديد الخطاب الدينى ، بما يبطل مزاعم الفصائل التكفيرية النازعة إلى القتل والذبح والسبى والخطف والنهب  والتفجير والترويع وتفتيت الأوطان ،التحدث باسم التراث الفقهى الإسلامى، ويحول بينها وبين الانتساب للإسلام ويصفها التوصيف الحقيقى بالقوى الإرهابية . إيمان يمتلك القدرة والرغبة والعزيمة  والإدراك والعى ،بحتمية  مراجعة هذا التراث الفقهى  مراجعة نقدية بمذاهبه ومدارسه وقراءاته المتباينة، بما يحرره من افتقاد القدرة على التكيف مع متطلبات العصر ، وضرورات الحداثة ،وينقيه  مما دس عليه فى حقب تاريخية معينة ، لأسباب سياسية يتصارع أصحابها على النفوذ، فيغلقون باب الاجتهاد ، ويروجون لأفكار التعصب  والخرافة ،  والانغلاق ورفض الآخر  ،ويضفون عليها قدسية ليست فيها، لتغدو  فى عصرنا منبعا يتزود منه  الإرهابيون ودعاة الفتن ومفتو التشدد والتزمت ، وشيوخ الفضائيات محدودو الفكر والثقافة،الذين باتوا يتحكمون فى عقول وسلوك نسبة لايستهان بها من العامة والبسطاء. إيمان يكرس فى الحياة وسلوك البشر  قيم الحق والعدل والمحبة والصدق وغيرها من القيم النبيلة التى انطوت عليها رسالات السماء.

يدرك الرئيس السيسي مقتضيات تجديد الخطاب الدينى، ويطرح  فى هذا السياق رؤية شديدة الوضوح والاتساق منذ ظهوره فى المجال العام، و قد تبلورت معالمها  واكتمل وضوحها  فى خطابه الآخير، لكن المشكلة تظل فى أن من يتوجه إليهم الرئيس للقيام بهذه المهمة من دعاة ومشايخ الأزهر لا يرغبون فى الاضطلاع بها فحسب ، بل يعجزون عن القيام بذلك ، لأن هذ النمط السائد من الخطاب الدينى التقليدى هم صانعوه، وهو الذى يكرس أدوارهم المختلفة فى  المساجد والزاويا، والقرى والحارات، والفضائيات، والمدارس والمعاهد  والجامعات الأزهرية، التى تحفل مناهجها بأبشع صور التطرف الطائفى والمغالاة ومعادة الحياة وتقديس الموت . ولم يكن صدفة أن عددا ممن اتهموا فى قضايا الإرهاب كانوا من بين خريجيها، كما لم يكن خاليا من المغزى أن  نسبة النجاح فى الثانوية الأزهرية هذا العام لم تتجاوز 28%.!

مطالبة دعاة ومشايخ المؤسسات الدينية الرسمية بتجديد الخطاب الدينى، حرث فى البحر لا طائل من ورائه. ولا بديل للبدء فى هذه المهمة عن ثورة على القيم الفكرية والثقافية والفقهية البالية فى وسائل الإعلام ،و فى الأنظمة والمناهج التعليمية فى شتى مراحل التعليم الأساسى والجامعى ، لتخريج أجيال تقدس الرسالات  ولا تقدس التراث- الذى صنعه بشر مثلهم، وتعبد الله ولا تعبد الأباء، كما يقول عبد الرحمن الكواكبى أحد رواد الإصلاح والنهضة والتجديد فى القرن التاسع عشر.

فى خطابه فاجأ الرئيس مستمعيه بقوله «أنا طائع فى ترك السلطة، لأن السلطة بإرادة الله» فى معرض رده على حملات التشهير والتهديد المعهودة ،التى تروج لها ثرثرات قعدات المقاهى، ومواقع التواصل الاجتماعى، ووسائل الإعلام التى تمولها بسخاء جماعة الإخوان، بواسطة مليشياتها الإليكترونية والإعلامية والحركية،ومراكز البحوث الدولية التى تعمل لصالحها بإصدار التقارير التى  تنضح بالأكاذيب والتضليل، وتتحدث عن انخفاض شعبية الرئيس المصرى،وعن فشل فى إدارة البلاد ، وعن ثورة ثالثة فى الميادين فى الخامس والعشرين من يناير القادم لإسقاط النظام. هذا الإعلام  الإخوانى الموجه فعل ذلك منذ ثورة الثلاثين من يونيو، وسوف يظل يكرره ، طالما يتلبسه الوهم بقدرته على شحن المصريين فى الطريق الخاطئ، و تسيطر عليه أحلام يقظة بالعودة إلى حكم البلاد، وهى أوهام وأحلام تتجاهل أن مصر تغيرت، وأن المصريين الذين ينشرون فى ربوع بلادهم التدين الوسطى المعتدل، قد وعوا الدرس ، ولم يعودوا يقبلون بالوصاية عليهم باسم الدين،وباتوا يرفضون أن يحكمهم المتاجرون بالدين من أجل مصالح سياسية.

أخذ هذه الترهات بجدية من قبل  الرئيس، والبناء عليها  بالتعهد بعدم «البقاء فى الحكم ثانية واحدة ضد إرادة الشعب .. أنتم لستم فى حاجة إلى أن تنزلوا لو أرادتم أن أمشى  سأمشى» يمنح قائليها الاعتقاد بنجاحهم فى إرباك المشهد السياسى، ويعطى لهم مادة لمواصلة نشر تفسيراتهم التافهة والمغرضة، كقولهم إن الخطاب يعكس تخوف الرئيس مما يسمونه الموجة الثورية فى 25 يناير، وأنه يهدد شعبه بالتشرد واللجوء إذا ما تظاهر فى هذه الذكرى، مع أن الرئيس شرط تعهده بأن يكون مطلبا لكل الشعب المصرى، وليس بدعوات مجموعة تنطبق عليها تعجبه من» بعض الذين يخونون الوطن ويمارسون الإرهاب والعمالة لمصلحة دول تستخدمهم من اجل  تفكيك الوطن تحت مسميات ودعوات عدة». وبطبيعة الحال كل شئ فى الحياة هو بإرادة الله، لكن الواقع الفعلى يقول إن  إرادة 97% من المصريين الذين  صوتوا  فى انتخابات الرئاسة ، هى وحدها التى منحت السلطة، وليس هناك أدنى شك أن التعامل الجدى مع ما تروجه جماعة الإخوان ومليشياتها الإعلامية والدعائية، ضرورة واجبة فى مجالات اليقظة والحذر الأمنى، لكنها فى الخطاب السياسى، تعطى ظلالا سلبية،تبتعد عن إحياء الأمل، وعن شحذ الهمم بالصبر والعمل وتحدى المصاعب والمخاطر، وتقترب من خذلان تلك الارادة.