رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

ما بين الحين والآخر ومع تزايد الصراع بين أمريكا وروسيا على السيطرة على مقدرات الشعوب بحجة نشر الديمقراطية، وتعليم العالم القواعد السياسية ؛أجدنى أعود الى التفسيرات المنطقية للسير هالفورد ماكيندر، الشخصية الأوفر تألقا بين علماء الجيوبوليتيكا (مصطلح ينطبق في المقام الأول على تأثير الجغرافيا على السياسة) الذى ترك أثره العميق في توجهات بريطانيا الدولية.

وماكيندر صاحب المخطط الأجرأ والأكثر ثورية بين مخططات التأويل السياسي لتاريخ العالم، وخاصة تقريره حول «المحور الجغرافي للتاريخ The Géographic pivot of history» والذى فسر أثر العامل الجغرافي في تفسير تاريخ العالم، وفيه جاءت نظريته عن «قلب العالم والجزيرة العالمية»، والتي تُعد أشهر النماذج الجغرافية لدراسة العلاقات الدولية، وقد صاغها بعد دراسته المتعمقة للجغرافيا وقراءاته الواعية لتاريخ العالم.

 وقد كان كل ما جاء بعدها تعديلا لها أو تعليقا عليها الأمر الذي جعل من النتائج التي توصل إليها تتمتع بخاصية استراتيجية، لذا يمكن أن نقول إن ماكيندر بدأ بداية جيوبوليتيكية وانتهى بنتائج جيواستراتيجية.

ويبدأ تحليل ماكيندر عندما يقسم –في نظريته - العالم الذي يجمع ما بين اليابسة والماء إلى ثلاث مناطق: منطقة القلب، منطقة الهلال الداخلي، ومنطقة الهلال الخارجي.. والجزيرة العالمية، - وهي تلك الحلقة المتصلة من اليابسة وهي أوروبا، آسيا، إفريقيا-، تكون ثلثي مساحة اليابس كلية، وأن الكتل اليابسة الأخرى تكون الثلث الباقي وتحيط بالجزيرة العالمية متمثلة في أمريكا الشمالية والجنوبية وأستراليا، بينما تمثل البحار والمحيطات ثلاثة أرباع العالم، وتكون كتلة مائية متصلة أطلق عليها المحيط العالمي، World Ocean.

ويؤكد ماكيندر أن الوضع الجيوبوليتيكي الأفضل لكل دولة هو الوضع المتوسط المركزي، وتعد مصر فى منطقة الشرق الاوسط الأقرب الى هذا الوصف وبالتالى هى مستهدفة من البداية لهذا الموقع الجيوسياسى الخطير.

والقارة الأوراسية، تقع في مركز العالم – ويقع في مركزها ما سماه بـقلب العالم أو الـ Heartland وهذا هو رأس الجسر الجغرافي الأكثر ملاءمة للسيادة على العالم بأسره، فهو المنطقة الأكثر أهمية ضمن حدود الجزيرة العالمية World Island.

وتشمل منطقة القلب - التي أطلق عليها في بادئ الأمر بـ «منطقة الارتكاز» «Pivot Area» جزءا كبيرا من أوراسيا،. وقوة قلب الأرض وأهميتها مستمدة من اتساعها الكبير، فضلا عن أمانها الطبيعي وتوسطها أوراسيا تقريبا، ولم «تهبه الطبيعة» قوة دفاعية فحسب، بل يتحكم أيضا في خطوط المواصلات الداخلية، فعوامل الاتساع والبعد عن منال القوى البحرية هي قلعة الدفاع الحصينة لها، وهي القاعدة الأمينة للقيام بحرب هجومية، فضلا عما تتمتع به من معادن وثروات طبيعية.

أما منطقة الارتكاز الثانية سماها قلب الأرض الجنوبي، وتتكون من إفريقيا جنوب الصحراء، ويتصل القلبان الشمالي والجنوبي عن طريق بلاد العرب، ويحيط بقلب الأرض نطاق أو قوس من الأراضي ذات التصريف المائي الخارجي أطلق عليها ماكيندر اسم الهلال الداخلي Interi or marginal crescent» ويضم هذا الهلال أوروبا الغربية، والأرض العربية الواقعة في «الشرق الأوسط» والمناطق الموسمية في آسيا، وقد اعتبر ماكيندر هذه المنطقة، منطقة الصدام بين القوات البرية والبحرية ؛ويحيط بالهلال الداخلي، قوس من الجزر التي تفصلها عن الهلال الداخلي بحار ومحيطات واسعة، سماها ماكيندر «بالهلال الخارجي» «Outer crescent» ويشمل أمريكا الشمالية والجنوبية وأستراليا وانجلترا واليابان، ويمتلك هذا النطاق قوة بحرية عظيمة.

وبهذا التفسير الجيوسياسى فمن يتحكم بمنطقة القلب يتحكم بالجزيرة العالمية. ومن يتحكم بالجزيرة العالمية يتحكم بالعالم.ومن هنا نرى أهمية شرق أوروبا كبوابة تفتح على قلب الأرض، وأن شرق أوروبا يعتبر المفتاح الوحيد الذي لو امتلكته قوة خارجية يمكنها أن تسيطر بالتالي على قلب الأرض.

وبالتالى هذا يفسر الصراع المضنى حول «القرم» والبلاد المحيطة بها التى دمرت تدريجيا وأصبحت تحت سيطرة القوى الكبرى بحجة منح شعوبها الحرية!.. ولقد كتب ماكيندر بحثا تحت عنوان «Round World and Winning of peace» بعد الحرب العالمية الثانية أشار فيه الى أن الولايات المتحدة أصبحت ركنا أساسيا؛ بعد بروزها كقوة على المسرح الدولي معتمدة على التقدم العلمي والتكنولوجي والتطور الصناعي. وبتلك التوليفة من التفسيرات نجد أن ما يجري في منطقتنا العربية الشرق أوسطية، وتحولها الى بؤرة الصراع العالمي، فسواء شئنا أم أبينا، فنحن نقع فى منطقة «الهلال الداخلي»، وهي المنطقة الأكثر أهمية ومن يسيطر عليها يصبح في مقدوره أن يتحكم فى منطقة «القلب» Heart Land، وهذا يفسر ما يفعل بنا وفينا، منذ التقسيم الاستعماري لما سمى باتفاقية سايكس – بيكو، والذى من أجله عمل الغرب على تصدير ما أسموه «بالـفوضى الخلاقة» الينا كاستكمال لنظرية هالفورد جون ماكيندر الذى كان بمثابة الركيزة الأولى للفكر العسكري للغرب كله»، ففي رسائل ماكيندر إلى الساسة العالميين الذين اجتمعوا في فرساي لإعادة رسم خريطة أوروبا، أكد أن منطقة شرق أوروبا هي الطريق الاستراتيجيي إلى «منطقة المركز Heart Land» قال: «من يحكم شرق أوروبا يهيمن على منطقة المركز، ومن يحكم منطقة المركز يهيمن على الجزيرة العالمية (أراضي أوراسيا إضافة إلى أفريقيا)، ومن يحكم الجزيرة العالمية يسيطر على العالم كله».

وقد أصبحت تلك النظرية بمثابة الخريطة الفكرية في عقل صناع القرار في السياسة الخارجية الأمريكية. والواقع أن إدارة ريجان استعانت بوضوح بنظرية ماكيندر كأساس لاستراتيجيتها. وفى هذا الإطار يمكننا أيضا رؤية هذا التناحر بين روسيا وأمريكا على كل من إيران وأفغانستان، وما تفعله أمريكا من تحريك للدول العربية الخاضعة لهيمنتها من قبول أو رفض لإيران.. وما خفى كان أعظم..!