كيف ينظر المصريون للمستقبل؟.. أي مكان نتمناه وأي مكانة نعمل من أجلها؟.. من الواضح أنه لا يوجد حلم يجتمع عليه المصريون لأننا ببساطة لم نتفق على ثقافة جامعة نتجسد فيها وتتجسد فينا.. نضحك فرادي وحتى الحزن لا نتفق علي موضوعية أسبابه وبالتالي نحزن برؤى وقناعات مختلفة وأحياناً متصارعة.. قد يري البعض فيما أطرحه عن الافتقار لثقافة جامعة نوعاً من الترف الذي لا يليق أو يتناسب مع كم الهموم المغرقة للمصريين التي تنزل عليهم مطراً يتحول إلى سيول لا تجد في النفوس أحياناً سبيلاً لتصريفها، وكما أنسدت بالوعات الإسكندرية أنسدت على ما يبدو قنوات تصريف الهموم والآلام في دواخلنا.
والحقيقة كما أتصور أنا – وأتمني ألا أكون غارقاً في وهم ليس هذا وقته – أن المستقبل لن يمنحنا حظوظاً طيبة بين الأمم المحترمة طالما استمرت حكوماتنا تنظر للثقافة على أنها ديكور تاريخي يمكن الاستغناء عنه أمام الحاجات الملحة للأكل والشرب والسكن.. ومن المدهش أن تجارب الأمم القريبة من ظروفنا واستطاعت تحقيق طفرة حضارية خلال سنوات قليلة، كلها تجارب يمكن قراءتها بسهولة وأول درس في هذه التجارب التي حققت نجاحات كبيرة في بلدان مثل سنغافورة وفيتنام وماليزيا وإندونيسيا وتركيا والبرازيل أن القيادة السياسية في هذه الدول أدركت من اللحظات الأولي للتحول أن شعوبهم لن تكون طرفاً في نجاح أي تجربة اقتصادية إلا إذا تم إعداد هذه الشعوب وحقنها ثقافياً ليسري في عروقها دماء جديدة تعينها على الاستعداد للمستقبل دون التضحية بشخصيتها التاريخية التي تحدد سماتها بين باقي الأمم.
نحن في مصر منقسمون أمام الماضي وأمام الحاضر وطبيعي أن يكون موقفنا من المستقبل موقف التائه والحائر، ما يجعلني أتساءل كيف لم تفكر حكومة واحدة منذ ما يقرب من خمس سنوات في الدعوة لمؤتمر قومي للثقافة تكون له آلية انعقاد منتظمة يشارك به كل ألوان الطيف الثقافي من أكاديميين وكتاب وفنانين ورجال دين مسلمين ومسيحيين وممثلين لمختلف النقابات ومؤسسات المجتمع المدني.
قيمة مثل هذه المؤتمرات إذا تم التجهيز لها بجدية وفهم أنها تضع أساساً للثقافة الجامعة للمصريين وتحدد ركائز هذه الثقافة وبواعثها ومجالاتها.. لو حدث أمر كهذا فإنه في حد ذاته جزء من التنمية المستهدفة، بل هو الجزء المهم من خطط التنمية لأنه المحفز الحقيقي للناس لأن يعملوا كفريق وأن يعزفوا نغمة حضارية واحدة.
لو وصلنا إلى هذه الدرجة من الوعي الحضاري بثقافتنا المناسبة لعصرنا وزماننا فإنها البداية الحقيقية للتطور والتقدم للأمام بخطوات ثابتة وآمنة.. كل مشاكلنا اليوم مع التطرف والإرهاب وضعف الانتماء ومعاداة القانون والعزوف عن المبادرات الجماعية.. كل هذا نتيجة طبيعة لحالة الهلهلة الثقافية التي جعلتنا شعباً سائلاً وليس كتلة حضارية صلبة بوعيها وثقافتها ووحدة نظرتها للمستقبل.