التركيز المستمر علي سلبيات المجتمع يدفع بنا إلي فوضي
اهتزت صورة الناخب والسياسي وفكرة البرلمان بما فعله الإعلام من توجيه غير حيادي أو موضوعي للرأي العام، حيث تصدرت البرامج الإعلامية قضايا عن نواب الرقص أو الفساد أو الاحتكار أو السب والقذف، ولم تفلح محاولات الإعلام الرسمي في خلق مناخ سياسي جاذب للمواطن المصري، لأن الإعلام الرسمي سقط في فخ الحيادية والمهنية والخوف من الاتهام بالانحياز لأي سلطة أو للدولة، فما كان من الإعلام الرسمي إلا أن يكيل الاتهامات للأداء الإعلامي الخاص دون أن يقدم البديل المتوازن في صورة برامج علي مستوي جميع القنوات المحلية والأرضية والفضائية والإذاعات الإقليمية والصحف القومية المستقلة، ومن واجبها جميعاً تحفيز المواطن المصري ليكون شريكاً في العملية الانتخابية.
لم تكن هناك قناة ذات نسبة مشاهدة عالية تساعد الناخب علي معرفة الدوائر الانتخابية والتعرف علي المرشحين الذين من حقهم أن يعرضوا برامجهم وأفكارهم وسيرتهم الذاتية بشكل حيادي علي الجمهور في جميع القنوات الرسمية علي مدار الأيام التي تسبق الانتخابات لدفع حالة من الشحن الايجابي لأهمية البرلمان القادم.. وعلي الجانب الآخر كان الإعلام الخاص المملوك لرجال الأعمال له حسابات خاصة جدا وأهداف تخصه أدت إلي التسويق والترويج لمرشحين دون آخرين وفق المصالح ووفق الأغراض وليس من أجل الصالح العام، وتداخل مفهوم الإعلان مع الإعلام في تغطية الحملات الانتخابية لدرجة أن بعض الإعلاميين أصبحوا يستخدمون الشاشات والصحف للإعلان عن مرشحين بأعينهم والدفاع عنهم واتهام المنافسين والتجريح والتشويه.. وحتي رئيس اللجنة العليا للانتخابات قد ساعد الإعلام علي ترويج حالة اللامبالاة والعزوف النسبي عن المشاركة.
فقد تأخرت اللجنة العليا للانتخابات في تقديم الدوائر وعدد المرشحين وأسباب التقسيم وكيفية الاختيار، بالإضافة إلي أن اللجنة العليا للانتخابات ليست لجنة قضائية فقط تضم المستشارين من السلطة التشريعية، وإنما هي لجنة يجب أن تضم إعلاميين ورجال ونساء دعاية وأساتذة وسياسيين وحزبيين ليسوا طرفاً في العملية الانتخابية من الناحية القانونية أو الإجرائية، ولكن لجنة للاستشارة وللبت في الرأي والمتابعة ومساعدة القضاة علي التواصل مع المجتمع ومع الناخب ومراقبة ليس فقط الأداء الإعلامي ولكن أيضا الأداء السياسي والثقافي والإجرائي.
كما كان للإعلام دور سلبي تقديم الصورة بالتركيز علي قلة نسبة التصويت في بداية المرحلة الأولي للانتخابات والتصديق والإعلان عن تصريح رئيس اللجنة العليا الذي أقر فيه بأن الاقبال ضعيف في بداية اليوم الأول من المرحلة الأولي، وكل هذا صب في صالح المشككين والمغرضين وهؤلاء الذين لا يريدون ولا يرجون خيراً للوطن، أما السادة الضيوف من المحاورين والمحللين فإنهم تباروا في جلد ذات المواطن والدولة وتصوير القضية علي أنها عزوف من أجل سياسات خاطئة أو ممارسات أمنية أو قرارات سياسية لا تتفق وأهواء النخبة الثورية، ولم يقدم الإعلام النماذج الفكرية والثقافية والسياسية المعتدلة والقادرة علي رسم وقع جديد لوطن يتعرض لمؤامرات كبري داخلية وخارجية، وهذه النماذج تقدم الحقيقة المؤكدة عن ضرورة الصوت الانتخابي وعملية الشراكة في الحكم بين الحاكم والمحكوم، وذلك حتي لا ينفرد الحاكم بسلطات تؤدي في النهاية إلي مأساة جديدة لحكم فردي سلطوي قد يستدعي ثورة أو معارضة هدامة.. لم يساعد الإعلام علي تأصيل قيم ومواد الدستور لأنه خلط بين المعارضة وبين المغالطة، فليس أي تجمع أو قائمة تستخدم اسم مصر هي في الأصل تابعة للسلطة لأنه لا توجد أحزاب تابعة للرئاسة أو للحكومة، وإنما هي مواءمات وتوافقات ومن ثم فإن حزب النور مثلاً تم السماح له بالمشاركة في العملية الانتخابية من قبل الدولة والسلطة والقضاء والسياسيين باعتبار أنه حزب مدني وليس حزب علي أساس ديني وفي هذا مخالفة ونفاق بين وصريح للنص الدستوري، وروج الإعلام لأهمية تواجد حزب النور الذي يتعرض كما يدعون لحملة أمنية وسياسية أفقدته الأصوات والأرضية الشعبية، بينما كان دور الإعلام وجميع أجهزة الدولة هو الدفاع الشرعي عن الدستور وعن نصوصه وليس التلويح بإمكانية تغييره من أجل حزب ديني أو من أجل المزيد من الصلاحيات لرئيس الجمهورية وتقليص دور المعارضة والبرلمان في الحياة السياسية والبرلمانية والعملية الديمقراطية بشكل عام.
التركيز المستمر علي سلبيات المجتمع والمحافظات والمحليات والوزارات يدفع بنا مرة أخري لثورة أو فوضي، لأن الإعلام ليس رقيباً للشعب ونائباً عنه، بعد أن أصبح الإعلام خاصاً وتجارياً وفضائياً، وليس مصرياً خالصاً يملكه المواطن العادي ولهذا فإنه بالرغم من غياب الأحزاب السياسية عن فاعليتها في الشارع الانتخابي وبالرغم من التحالفات المدنية المتعارضة الرؤي والأفكار والمبادئ وبالرغم من غياب النخبة الواعية الوطنية القادرة علي التغيير لواقع جديد مأمول ومرجو من الجميع لصالح مصر وليس لصالح فئة دون أخري، وبالرغم من تقصير اللجنة العليا للانتخابات في شمولية التجربة وتعدد الأصوات والتوجهات والاختصاصات داخل اللجنة للمساعدة علي طرح فكرة الانتخابات والدوائر بصورة مبسطة بها ترغيب ايجابي للمواطن، وبالرغم من غياب الدولة عن التواجد بأي صورة لتأكيد ضرورة وأهمية البرلمان بدلاً من ترك القارب ليقع ويغرق بنا جميعاً.. فإن المسئول الرئيسي هو الإعلام الذي حتي تاريخه لم يدرك أن الإعلان غير الإعلام وأن الأسنان الأكثر بياضاً مثل المسحوق الأكثر بياضاً مثل العقول الأكثر بياضاً وخواءً وفراغاً..
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض