التصويت في المرحلة الأولي من الانتخابات البرلمانية قرأته من زاويتين.. الأولي أن ضعف الإقبال على الانتخابات الذي لم يتجاوز 26% من مجموع من لهم حق التصويت هو هتاف صامت ضد العملية السياسية الجارية في مصر ويشير إلى عدم الرضا على أداء حكومات ما بعد 3 يوليو 2013 – أما الوجه الآخر لقراءة المشهد فيعني بالنسبة لي أن المصريين الذين أدلوا بأصواتهم قد عزلوا بإرادتهم حزب النور من المشهد العام بعد أن كان الحصان الأسود في برلمان الإخوان.. بهذا المفهوم للقراءة يمكن القول: إن الجولة الأولي للانتخابات البرلمانية كانت استفتاء على سياسات ما بعد 3 يوليو 2013 وعلى بقاء حزب النور داخل المشهد السياسي باعتباره حزباً دينياً يتحكم برؤى قياداته وأعضائه مرجعية سلفية تطرح أفكاراً ضد أبسط مبادئ الدولة المدنية وتنسف بحمق قاعدة المواطنة التي تحفظ أسس وقواعد الدولة الوطنية المصرية.
بكل تأكيد أنا ممن فرحوا وامتنوا للموقف الشعبي من حزب النور ذي المرجعية السلفية المنافية لمنطق التطور التاريخي والمسجونة داخل صناديق الأفكار البالية التي اعتلاها صدأ الجمود.. أما الموقف من السلطة وسياساتها من بعد 3 يوليو فإنني أتفهم كثيراً الاسباب التي دفعت بالكثيرين لالتزام بيوتهم في مشهد أقرب ما يكون للاحتجاج السلمي على كل ما حدث ويحدث منذ أكثر من عامين، وأتصور أن السلطة في مصر هي المسئولة عن حالة العزوف تلك.. لقد انتظر غالبية المصريين من البسطاء وضعفاء الحال أن تنحاز السياسات المطروحة لواقعهم وهمومهم ومشاكلهم ولم يجدوا إلا لهيباً في الاسعار قصم ظهورهم وأرهق نفوسهم وأهان جيوبهم الخاوية، توقع الناس أن يكون للدولة موقف ويد طويلة تثأر لهم من جشع المستغلين إلا أن ما حدث أن الدولة بأجهزتها وقفت تتفرج على المشهد ولا تزال، أما الإعلام وبهلواناته فقد انصرف لمعارك هزلية وصراخ ونواح وعندما عبر 74% عن رأيهم بالصمت والتزام بيوتهم إزاء الانتخابات البرلمانية اندفعت مذيعة بإحدى القنوات الخاصة الكبيرة لمناشدة الدولة أن تكون جادة في فرض غرامة 500 جنيه على أي مواطن لم يذهب للإدلاء بصوته وقالت إن هذه الغرامة ستدخل المليارات لخزينة الدولة.. يعني إيه المانع من الانتقام من مواطنين دهسهم الغلاء من أن نكمل عليهم بغرامة لو طبقت سنحتاج لألف سجن جديد للغارمين سياسيا ممن عجزوا عن تسديد غرامة بسبب ارتكابهم جريمة الصمت والاحتجاج السلمي على ما يحدث.
ماذا تنتظروا من ملايين الصامتين الذين تابعوا كيف تعاملت الدولة المصرية مع أحمد عز بنفس روح ودوافع التعامل مع قائمة صحوة مصر التي ظاهريا انسحبت من الانتخابات وواقعيا يمكن القول بأنها استبعدت أو أجبرت على الانسحاب وكأن البرلمان الجديد يجب أن يخلو من أكبر رمز للفساد السياسي وأقوى نخبة يمكن أن تمثل المعارضة الوطنية الشريفة ممثلة في قائمة صحوة مصر.. ماذا تنتظروا من ملايين الصامتين الذين لا يملكون من متاع الدنيا إلا صمتهم ووحدتهم وغربتهم في وطن تنتحر فيه الآمال أمام قرارات لا تفسير لها إلا أنها انحياز واضح لرأس المال ضد ضعفاء الحال مثل قرار إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية أو تجميدها لمدة عامين.. ماذا تنتظرون من ملايين الصامتين صمتا سلميا احترمت معه ظروف دولة تحاول أن تتماسك بعد ثورتين فجرتا الكثير من الآمال وفي كل مرة يعود الناس من الميادين بتوقعات كبيرة في حياة أفضل وإذا بقطار الحياة بدلاً عن السير نحو المستقبل بفكر جديد وسياسات جديدة وانحيازات لمسارات جديدة نجده لا يغادر محطات الماضي ونلحظ حنينا لدى الجالسين في عربته الأولي والممسكين بعجلة قيادته لاستمزاج مواجع الأمس والتسامح التام مع شخوصه.
تصوروا معي لو أن دولة ما بعد 30 يونية استطاعت استعادة الكثير من حقها وحق الشعب من الذين نهبوا الأراضي ونزحوا البنوك وأفسدوا الحياة السياسية ودمروا التعليم وتركوا ملايين المصريين تنهشهم الأمراض بلا أمل في علاج.. تصوروا معي لو أن دولة ما بعد 30 يونية حددت أولويات سياساتها بأن مشروعها القومي في النهوض بالتعليم والصحة وإصلاح الجهاز الاداري للدولة وقطعت شوطاً في ذلك.. تصوروا لو أن دولة ما بعد 30 يونية فتحت مسام العملية السياسية في مصر ليندفع في شرايينها كل المصريين بمختلف قناعاتهم استناداً لقاعدة تلزم الجميع بالعمل السلمي والممارسة الوطنية بغض النظر من معي ومن ضدى.. تصوروا لو أن دولة ما بعد 30 يونية قالت للناس صراحة إنها دولة قانون تحترم الدستور وتلتزم بالتحول الديمقراطي الحقيقي وتستوعب كل الاتجاهات السياسية باستثناء أي شخص أو تيار يمارس العنف أو يحرض عليه صراحة.. تصوروا لو أن دولة ما بعد 30 يونية التزمت بتطبيق المفاهيم والمعايير الصارمة لمبدأ العدالة الانتقالية الذي يحاسب سياسيا كل من لعبوا أدوارا في ترسيخ قواعد الفساد بوجهيه المادي والسياسي ورسم خريطة للمستقبل تتضمن دون لبس خططا إصلاحية وتنموية تعوض شعبا ثار على حاكم طال حكمه أكثر مما يجب وضيّع على شعبه فرصاً تاريخية للتطور، وبعد أقل من ثلاثة أعوام خلع حاكماً دفعت به عصابة إلى رأس السلطة ليحكم باسمها ومرتكباً أبشع جريمة في حق شعب وهي جريمة سرقة تاريخه وتشويه هويته باسم الدين والشريعة والشرعية.. تصوروا لو تحقق نصف ما تمنينا.. هل كان 74% من المصريين سيهجرون الانتخابات بالاحتجاج الصامت الذي تابعناه.. يا سادة.. تعلموا من الشعب بدلاً عن أن تلعنوه.