في كل عام من ذكري حرب أكتوبر 1973 تعاد ذات الاحتفالات الغنائية والأوبرتات المعدة من قبل إدارة الشئون المعنوية ومشاركة فنانين وفنانات ومطربين ومطربات... يعرضها التليفزيون المصري وبعض الفضائيات مجاملة للمسئولين... ثم تختفي وتذهب تلك الأعمال والألحان والكلمات والملايين في غياهب النسيان وشرائط الذكري لأنها أعمال بالأمر المباشر والمقابل المادي ولأن التكرار لا يعلم الشطار ولا الكبار ولأن من يفكر منذ أربعين عاماً هو ذاته من يفكر ويقرر ويرسم سياسة الاحتفالات الخاصة بنصر أكتوبر علي الرغم من أن الجيل الحالي لا يعرف ولا يسمع ولا يدرك معني ولا أهمية ولا قيمة أكتوبر خاصة الأطفال الذين يلتحقون بالمدارس الأجنبية أو الخاصة أو الدولية فهؤلاء أبناء الشباب الذي بدأ ثورة يناير 2011 حين خرج شباب الجامعة الأمريكية وأولاد الطبقة المستريحة المتعلمة ليبدأوا حركة التغيير والغضب والمطالبة بالحريات والديمقراطية علي غرار الثورة الفرنسية ومبادئ الحرية والإخاء والمساواة وتيمناً بالحرية الأمريكية والديمقراطية الغربية التي تعلموها ونشأوا علي أفكارها وحلموا وتمنوا أن تصبح مصر بلادهم جزءاً من العالم الحديث المتحضر المتحرر الذي يملك قراره والقادر علي صناعة التاريخ وكتابة الجغرافيا ورسم الحدود ووضع الدستور والقانون الذي يضمن العدالة الاجتماعية وفرص عمل للجميع... هؤلاء الذين تعلموا علي أيدي الأفكار والمدارس والجامعات الغربية اصطدموا بالواقع فخرجوا من المشهد الثوري لأنه مشهد شعارات بينما الواقع والناس التانية حاجة ثالثة ورابعة وعاشرة... الانفصال عن الواقع وعن المجتمع والانتماء للوطن حول العديد من هؤلاء الذين هم كريمة الوطن الفكرية والعلمية والاجتماعية إلي كارهين أو رافضين لهذه الأرض ولهذا المجتمع وناقمين علي الجميع فما بالكم بأبنائهم الذين لا يلتحقون بمدارس الحكومة وإنما بالمدارس الهاي كلاس ذات المستوي العالي ليتعلموا تعليمياً مميزاً كما يدعي أصحاب تلك المدارس بالرغم من أن العينة واحدة والأصل من ذات الأرض الطيبة لكن هؤلاء الأطفال يواجهون خطراً داهماً في عدم الانتماء للوطن لأنهم لا يقومون بتحية العلم وغناء النشيد الوطني بلادي بلادي لك حبي وفؤادي... لا توجد رقابة علي تلك المدارس من الضمير والشعور الوطني كما لا توجد رقابة من الوزارة إلا فيما يخص هيئة الأبنية التعليمية التي تهتم بعدد الفصول والسلالم والفناء المدرسي وتضع العراقيل أمام أصحاب المدارس فيما يخص المباني علي أساس أن المباني الحكومية حاصلة علي شهادة الأيزو التعليمية من قبل الهيئات الدولية؟!... ذلك الخلل في العملية التعليمية هو ما أدي إلي تلك الحالة من عدم الوفاء والانتماء والشعور الوطني لدي العديد من شباب هذا الوطن الذي أعطاهم الكثير ومازالوا يدعون انه غير جدير بهم.
تحية العلم والنشيد الوطني واللغة العربية قبل أي أبنية تعليمية وقبل أي تصريح بالعمل وقبول تلاميذ وقبل أي زيارات ميدانية للسادة وكلاء وزارة التعليم وقطعاً قبل أوبريت الاحتفال بنصر أكتوبر... هل ممكن أن نرصد الملايين التي تم صرفها وإنفاقها علي احتفالات النصر وبدلاً منها ننتج فيلماً روائياً عالمياً أو عملاً درامياً علي مستوي الحدث تقوم بكتابته نخبة ممن عاصروا الحرب وتصيغه درامياً كوكبة من كُتاب الدراما الكبار ويشارك في تمثيله فنانو مصر شبابها قبل كبارها ويسوق عربياً ويترجم ويدبلج بعدة لغات ويتم إهداؤه إلي دول الجوار الآسيوي والإفريقي ويصاحب الفيلم والعمل الدرامي حملة تسويقية علي شبكات التواصل الاجتماعي والصحف والمهرجانات الدولية والعالمية ترصد لها الملايين مثل التي تنفق علي الأوبريتات والاحتفالات وتلك لها تأثير ممتد وقوي يشكل الفكر والوجدان للأطفال وللشباب ويرسخ أهمية وقيمة ليس فقط النصر ولكن الأرض والتراب والوطنية والجندية وشرفها الغالي الثمين.
احتفالات أكتوبر ليست مجرد نصب تذكاري وحفل مسائي ولكنها قصة وطن رفض الهزيمة والاستسلام واليأس وقرر في لحظة توحد وإيمان وعزيمة أن يعبر وأن ينتصر علي إسرائيل وأمريكا وعلي الخوف والضعف في ملحمة إنسانية مصرية لن يجود الزمان الحديث بمثلها إلا إذا عدنا إلي حب هذا التراب المصري وكففنا عن التذمر والكراهية والإحباط من أنه لا تغيير أو إصلاح... لو أن المدارس والجامعات بدلاً من أن تأخذ إجازة دراسية في هذا اليوم العظيم استمرت في الدراسة مع تخصيص نصف اليوم الدراسي لعرض أفلام تسجيلية وقراءة صحف ومانشتات عن يوم العبور وتم تحفيز الطلاب علي كتابة بحث أو موضوع عن إحدي قصص البطولة التي روت أرض الفيروز واحتسبت درجات العمل في درجات الاختبارات الدورية... وأقيمت احتفاليات صغيرة في جميع المدارس علي مستوي الجمهورية لإحياء ذلك النصر وخرج الصغار في رحلات إلي المتاحف المصرية والعسكرية وإلي الكليات العسكرية لزيارة الطلاب ومعرفة قيمة الجندية والالتزام والانضباط وبعضهم ذهبوا في رحلة إلي مدن القناة ومواقع الأحداث لتحكي لهم علي الطبيعة ما حدث من هزيمة وانكسار وهدم وترحيل للمدنيين وما تلا ذلك من عزيمة وانتصار وبناء جديد للمدن الثلاث... وقد يكون كل هذا عبر الانترنت والفضاء أو العالم الافتراضي الذي يسجل ويرصد ويساعد الجيل الجديد في الإبحار في الماضي دون الانتقال الفعلي إلي الموقع المكاني أو الزماني وبهذا نمزج تكنولوجيا الحاضر بإنجازات الماضي.
كيفية إحياء النصر وليس الذكري هو الجديد بعد ثورتين وبعد مرور أكثر من اثنين وأربعين عاماً علي ذلك الحدث العظيم والذي أحيا المنطقة العربية ورفع سعر النفط وغَير الخريطة الدولية والبورصة العالمية وقلب جميع موازين القوي وغير الاستعمار الحديث والحروب الجديدة وحول إسرائيل إلي عدو يُقهر ويُهزم ويقضي عليه بأيدي الجندي المصري فقط... كفانا أوبريتات تأكلها ذاكرة الأسماك وتنساها شرائط التسجيل وتهدر المال والجهد وتعيد للأذهان ماضياً لا نرغبه لأنه ماضٍ استهلاكي لم يجمعنا ولم يوحدنا علي حب هذا الوطن... تحيا مصر... وبلادي لك حبي وفؤادي... وحلوة بلادي السمرة... بلادي الحرة... مصر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض