أوراق مسافرة
يفاجئنى خروجه فى كل مرة من أسفل الكوبرى المليء بأكوام القمامة وسائر الموبقات، وبيده «كتلة» من عقود الفل وقد رصها على أصابع إحدى يديه بحرفية وباليد الأخرى باقة ورد انعدمت ريحته وقد لف كل منها بورق «سليوفان»، يقفز بين السيارات كالفهد، ويردد «فل يا بيه، ورد يا هانم» ورغم تكرار مشهده كلما مررت بالمكان، إلا أننى أفاجأ دوماً وأكرر على نفسى ذات الأسئلة، كيف لإنسان أن يعيش وسط تلال هذه القمامة بروائحها التى لا توصف، وكيف يأتى بزهور الياسمين فريدة الرائحة وبالورد، ليصنع منها العقود ويلف الأخرى فى هذا المكان الموبوء؟
تناقض فريد بين المكان والرجل القذر الملابس والوجه، وبين ما يبيعه، تناقض يجعلنى أتأمل المشهد كل مرة، دون أن تنازعنى نفسى لأن اشترى منه شيئاً، لأنى أراه بصحة وعمر يمكن معه احتراف أى مهنة غير التسول المقنع، ويبدو أنه ليس رأيى فقط، فهو لا يكاد يبيع عقداً واحداً للسيارات التى تطول وقفتها فى إشارة المرور أمام كوبرى الملك الصالح، يدخل رأسه فى سيارة ملاكى بها رجل وزوجته، فيشوح له الرجل بيديه فى رفض مهين، ثم ينظر لزوجته القابعة بجانبه فى صمت نظرة ذات مغزى، وكأنه يقول لها «ما تستاهليش فل ولو بجنيه»، فتتظاهر هى بأنها لا تتابع الموقف.
فيما يفاصل معه آخر «لا خمسة جنيه كتير بجنيه بس» فيرد بائع الفل «جنيه إيه يابيه ده مش جايب تمن الخيط» ويتركه وقد تقلصت ملامح وجهه إلى سيارة أخرى، بها شاب وفتاة كالقمر، تشير الفتاة إلى الفل فى رغبة لأن يشترى لها الشاب شيئاً، فيعبث الأخير بجيوبه، ويتظاهر بعدم وجود فكة، أنظر إلى ابنتى الجالسة بجانبى بوجهها الصبوح وشعرها الغجرى الذى تركته فى حرية بلا أى تصفيف، وأنتظر أن تطلب منى شراء عقد فل لها أو حتى وردة كما كنا نفعل زمان ونحن فى سن المراهقة، فإذا بها تضحك لوحدها، وقبل أن أسألها عن سبب ضحكها، تقرأ لى إحدى «القفشات» التى أرسلتها صديقتها على الـ «واتس آب» فأهز رأسى وأقول لنفسى «ورد وفل إيه خليها إنترنت أحسن» وأتذكر وأنا فى عمرها بسوهاج، كنت أمر على قصر الثقافة فى طريقى إلى المدرسة ثم الجامعة، وكان يحيط البناية سور زينته أشجار الياسمين، فكنت أقطف كمية منها أثناء عودتى، وقبل أن أبدل ملابسى، أجلس بغرفتى لأصنع عقدين، واحداً لى والآخر لأمى «رحمها الله»، كانت تعشق الياسمين منذ كان مزروعاً حول فيللتهم بالحى الأفرنجى بالإسماعيلية، وكنت أترقب يومياً نظرة السعادة والامتنان على وجهها وأنا أعطيها العقد.
يلفت سمعى صوت الرجل يصرخ فى زوجته السمينة لتمر بسرعة بين السيارات الواقفة «تعالى من هنا» فلا تطيعه وتذهب من الجانب الآخر وهى تحدقه بنظرة «يا ويلك منى فى البيت»، بينما يقول الرجل لصاحبه وهو يتحسس الخطى بين السيارات «وده اسمه كلام، ولا مليم نقبضه من أم الشركة، المدارس خبطت مع العيد، والشركة بتقولك بافلس، أعمل إيه يعنى أنتحر أحسن»، أهرب من المشهد أفتح الراديو، تتزاحم الثرثرة تشكيل وزارى جديد، رئيس حكومة تكنوقراط، مصر محتاجة لرئيس وزراء سياسى للتخطيط، كفاية تجربة محلب، طيب وليه حكومة دلوقتى، مش كنا نستنى لبعد البرلمان.. لا أصل ريحة الفساد انتشرت بسبب قضية وزير الزراعة، وفيه على الأقل 7 وزراء حواليهم شبهات.
الناس بطلت تشترى لحمة، المقاطعة بتزيد، يعنى العيد ده من غير لحمة، من غير أضحية، طيب نسميه إيه عيد اللاأضحى ولا إيه «هاهاها» يضحك الضيف، مصاريف المدارس زادت نار، والزى أسعاره شعللت، ولا الكتب الخارجية ولا هم الدروس اللى بدأت بدرى بدرى، طيب وقرار الوزير بإغلاق السناتر، لا مش هايقدر ينفذ القرار، هو فيه مدارس من غير سناتر، دول كانوا الأهالى يتظاهروا ويطالبوا بعودتها عشان مستقبل الولاد ما يضيعش، لا أنا مش مطمن للبرلمان اللى جاى، الفلول والإخوان دخلوا، مش عارف البلد رايحة فين، كوارث اليمن تختلط بما يحدث فى سوريا، ليبيا، العراق، لبنان، ارتفعت أعداد المهاجرين الغرقى على سواحل أوروبا، أمريكا تهدد روسيا، روسيا تواصل دعم الأسد للنهاية، و....
أفيق على كلاكسات السيارات تصرخ جملة واحدة حولى، أكتشف أن الاشارة فتحت دون أن أتنبه وأنا غارقة فى كل الأفكار، يطل رأسه من داخل نافذة سيارتى وهى تتحرك فى استفزاز «فل يا مدام للهانم الصغيرة»، أنظر لها وهى غارقة بأصابعها وعينيها على شاشة الموبايل، أرد عليه فى حسم حتى لا يكرر إلحاحه «شكراً»، ألمح عقود الفل وقد ذبلت معظم أوراقها بفعل العادم والوقت، فينزلق من على مقدمة سيارتى ويهرول إلى أسفل الكوبرى ليختفى بين أكوام القمامة وهو يصيح: ماحدش عايز ينفعنا ولو بجنيه.. الله يخرب بيوتكم.