رأى الوفد
بعد العيش طويلًا فى كنف نظام مبارك والجماعة الإرهابية، بات يقينًا أن مجتمعات لم تدرك بعد مسارًا وطنيًا راسخًا صوب الحكم الرشيد، توفر الأجواء المصاحبة للعملية الانتخابية، خاصة فى صيغتها البرلمانية، العديد من فرص البقاء والنمو لكثير من القيم المجتمعية السلبية الطاغية على الموروث الثقافى السياسي. وهو الأمر الذى يشكل أحد أهم المعوقات المجتمعية أمام تحقيق التحول الديمقراطى الذى تنشده الثورات الشعبية، باعتبار مفهوم الثورة الشعبية محله ومعياره القيم السائدة فى المجتمع؛ فإذا لم تنشأ القيم المعبرة عن مبادئ وأهداف الثورة، فحكمت حركة المجتمع صوب مصالحه العليا، بات الحديث عن الثورة غير ذى موضوع.
وفى السياق ذاته، يبدو تشويه الثورة، وما حولها من رموز وطنية، شخصية كانت أو مؤسسية، من الضرورات المنهجية التى تحرص عليها القوى الرجعية، وهى تدفع بالمجتمع إلى الخلف بعيدًا عن طموحاته المشروعة التى عبرت عنها ثورته، كسبيل ارتضته الجماهير لبلوغ فرصتها فى التقدم والرفاهية.
لعل فى ذلك بيان للأسس الحاكمة لما يواجهه حزب الوفد من حملات مُنظمة، لطالما أخفقت عبر تاريخه الممتد والعنيد فى تحقيق أهدافها. إذ لا يملك الوفد رفاهية التخفف من مسئولياته الوطنية، ولا بديل أمامه عن المضى قدمًا صوب طموحات الشعب حاملًا مبادئه وثوابته الوطنية، ولا خيار كذلك أمام كل وفدى يتيح له قبول إعادة ترتيب أولويات بيت الأمة على غير ما تفرضه المصلحة الوطنية.
والواقع أن الأمر على هذا النحو، هو ما دفع بالوفد إلى التمسك بتحذيراته فى مواجهة صعود أدوات الفساد التى كرست حكم مبارك على مدى عقود طويلة من التردى على كافة المستويات؛ فكان المال السياسى لاعبًا أساسيًا فى تزييف إرادة الشعب، وتربعت على القمة القيم الداعمة للتربح من العمل السياسى كظاهرة لا محل لإنكارها، وعليه... غابت قيم العمل الوطنى المسئول عن المشهد السياسي، حتى باتت «السياسة»، كمفهوم دارج، لا تحمل الكثير من التقدير لدى عامة الناس؛ إذ احتوى المفهوم على مفردات الكذب والخداع والمصالح الذاتية.
وسعيًا إلى تجسيد قيم الثورة المصرية بشقيها، يناير ويونيه، لم يجد الوفد بديلًا عن المشاركة بقوة فى الانتخابات البرلمانية، رغم ما له عليها من مآخذ تنال من قدرتها على إنتاج برلمان يعبر بصدق عن الإرادة الشعبية الحرة التى سيحمل أمانتها، باعتباره أول برلمان بعد ثورة الثلاثين من يونيه، وقد كان حريًا به أن يتخلص من خطايا البرلمان الذى نشأ فى أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير؛ فإذا بالمشهد يستعيد ذات الأدوات، وإذا بالمقدمات ذاتها، فى جوهرها وإن اختلف شكلها.
وعليه... لم يكن أمام الوفد، الأمين على المرتكزات الوطنية لكل ثورة شعبية حقيقية منذ فجر ثورة 1919 الخالدة، أن يتخلى عن دعمه وتبنيه لثورة يونيه، كامتداد طبيعى لثورة يناير المجيدة؛ ومن ثم فليس للوفد أن يعيد موقفه وينسحب من الانتخابات البرلمانية؛ إذ كان انسحابه من انتخابات برلمان 2010 الشهيرة، سحبًا لشرعية نظام مبارك، إذ استشعر الوفد مكنون الإرادة الشعبية فكان انسحابه طليعة ثورة يناير.
بيد أن عهدًا جديدًا واثقًا لا ينبغى أن يغيب عن المشهد؛ ذلك أن الإرادة الشعبية الحرة التى أنتجت خارطة الطريق، لا ينبغى أن تتخلف عن مسئوليتها فى دعم ورعاية القيم التى تجسدها الثورة المصرية، فى يناير ويونيه. إذ بات الأمر محل إرادة الناخب الحر، ليصحح خطايا نخبته، ويقطع الطريق أمام محاولات العودة بالوطن إلى ما قبل ثورة يناير، حيث يقبع نظام مبارك والجماعة الإرهابية وجهين لا ثالث لهما لنظام سياسى فاشى لا يمكن أن تحيا فى ظله طموحات الشعب فى حياة كريمة حرة، ليس إلا هى قائدًا لمسيرة الوفد، فكانت جوهر البرنامج الانتخابى للوفد، وفى ذلك حديث يمتد.
«الوفد»
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض