رسالة حب
اختار الأستاذ هيكل طريقه الذي ارتضاه لنفسه، وحدد معالمه، وظل سائراً علي الدرب الذي وجد نفسه فيه.. لا يتوقف خطوة، ولا يراجع نفسه لحظة.. لا يقف أمام المرآة ليحاسب نفسه.. هو كما هو لا يتغير مهما طال به العمر.. ولا يتوقف مهما مر به الزمن.. عراب لكل العصور.. عراب خارج الحدود.. فحواره الأخير مع جريدة السفير يؤكد أن الأستاذ مازال يمارس هوايته.. عراباً للحكام داخل الحدود.. وعراباً للأنظمة خارج الحدود حتي لو كانوا من قوميات أخري كالشيعة مثلاً.
نبدأ بالداخل.. اختار الأستاذ هيكل أن يعيش في كنف الحاكم- أي حاكم- اختار الشهرة والأضواء.. اختار الحكم والسلطة.. اختار سيف المعز وذهبه.. المبادئ هي مجرد سطور تكتب في مقاله، والقيم مجموعة من العبارات التي يتم طرحها في محاضرة أو ندوة أو لقاء تليفزيوني.
بدأ هيكل مشواره مع الزعيم الملهم جمال عبدالناصر.. اقترب منه هيكل وحظي بمكانة كبيرة متخطياً أعضاء مجلس قيادة الثورة، اقترب هيكل ولم يحترق لأنه يملك المقومات كاملة.. اقترب حتي أصبح مسئولا عن كل الخطايا.. مسئولا إلي حد الشراكة التي لا تحتمل الانفصال..
وكان أدق وصف لهيكل هو ما ذكره فؤاد مطر الكاتب العربي الكبير عندما قال إن هيكل كان كبير الطهاة في مطبخ السياسة المصرية في عصر عبدالناصر، وهو الذي كان يعد المسرح السياسي لعبدالناصر البطل التراجيدي للظاهرة الناصرية.
أما الكاتب الكبير المرحوم أنيس منصور فكان يري أن عبدالناصر من اختراع هيكل.
بعد رحيل عبدالناصر، بدأ هيكل يحجز لنفسه مقعداً مع الرئيس الجديد.. بدأ ينسج خيوطه حول الرئيس السادات حتي لو كان ذلك علي حساب خيانة النظام القديم الذي كان هو أحد أركانه أو أهم ركن فيه.. أراد هيكل أن يكون عرَّابا للسادات كما كان عرَّابا لعبدالناصر.. ليس مهماً عنده اختلاف الرؤساء.. المهم أن يبقي هو العرَّاب الوحيد. غازل هيكل السادات بثلاثة مقالات تحت عنوان «السادات وثورة التصحيح» أشاد فيها بالرئيس الذي لم يكمل عامه الأول في الحكم، وأخذ يتغزل في شجاعته وقراراته الحكيمة. وقال إن هذه المرحلة هي التي ستجعل من أنور السادات قائداً تاريخياً لشعبه وأمته، لأن القيادة التاريخية مرتبة أعلي بكثير من الرئاسة مهما كان وصفها.. منتهي النفاق!!
اقترب هيكل من السادات.. ولكنه كان اقتراباً بحساب.. فهيكل لم يجد نفسه علي المقعد الذي كان يجلس عليه أيام عبدالناصر لأن السادات ببساطة لم يكن الرئيس الذي يسلم نفسه لشخص مهما كانت مكانته وقدراته.. ولأنه- أي السادات- فتح قلبه وبيته لجميع الصحفيين الكبار كما قالت جيهان السادات.
لم تتحقق أمنية هيكل في أن يكون عراباً للرئيس السادات كما كان عرابا للرئيس عبدالناصر.. وابتعد عن السلطة كرها وليس طواعية وتحطمت أحلامه وصدر قرار بنقله من الأهرام في فبراير 74 واعتقله الرئيس السادات في سبتمبر 1981 ضمن اعتقالات طالت كثيراً من المعارضين.
وحاول هيكل أن يعود لدوره مرة أخري عراباً للرئيس مبارك.. أعلن تأييده له وإعجابه به وطالب الجميع بفتح صفحة جديدة معه ومساندته في مهمته.. ويبدو أن الرئيس مبارك كان أكثر فهماً لشخصية هيكل فتجاهله وكان رد هيكل عنيفاً في أزمة قانون الصحافة رقم 96 لسنة 96 عندما قال إن القانون يعبر عن أزمة سلطة شاخت في مواقعها.
وفي ثورة 25 يناير ارتدي هيكل ثوب الثوار وحاول أن يكون عراباً لها وطرح فكرة تشكيل مجلس رئاسي ومع مرور الوقت اكتشف أنه يغرد خارج السرب.
ومع وصول الإخوان للحكم وهم ألد أعدائه حاول أن يحجز لنفسه مقعداً قريباً من السلطة علي افتراض أنهم باقون، فغازلهم بقوله إنني واحد من الناس الذين طلبوا ومازالوا يطلبون فرصة حكم للتيار الديني.
وفي 30 يونية كان في صدارة المشهد ولكنه سرعان ما اختفي.. ورغم ذلك لا يمل من محاولات إحياء الماضي، ويكون عرَّابا لكل الأنظمة والعصور ولكن لن يكون له ما أراد.. لأنه إذا نجح في خداع الناس بعض الوقت فلا يستطيع خداع الناس كل الوقت.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض