رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

دخل علينا زميلنا الخلوق مجدى سلامة أحد ملوك قسم التحقيقات بـ«الوفد»، وقد اكفهر وجهه، والعرق يقطر منه والغضب يتفجر من ملامحه، وقلما بل ندر ما يصاب مجدى بهذه الحالة، واعتقدنا أن هناك ملمة ما أو كارثة لا قدر الله، فإذا به يقول «حرام.. والله اللى بيحصل للناس فى الشهر العقارى حرام وغير آدمى» وأدركنا على الفور أنه عائد من رحلة صراع يواجهها كل مصرى على أبواب أى مكتب للشهر العقارى، وحكى فى كلمات مقتضبة كيف وقف منذ الصباح فى زحام وشجار وخنقة، حتى يحظى بدوره فى المثول أمام الموثق، والدورة المكتبية غير العادية التى دارها بين المكاتب، للحصول على أكثر من توقيع وختم، والصف الطويل أمام الميكروفيلم، وأسلوب العمل البدائى بالمكتب من خلال دفتر ضخم، وكيف «شخطت» فيهم موظفة وهددت بتوقيف العمل إذا لم يصمتوا ويقفوا محترمين من غير ما «يصدعوها».

وختم «مجدى» كلامه «والله لولا احتياجى لتوثيق الأوراق، لصورت المكتب ونشرت المهازل التى تحدث به وكأننا فى الثمانينات، وبالطبع لم أسأله عن اسم المكتب، لأنى أعلم أنه هو أو سواه نسخة موحدة فى نفس الأداء وأسلوب العمل ومعاملة الجمهور، فلا فرق بين هذا المكتب وذاك، ولكن حتى أكون منصفة، ولا أتهم بمهاجمتهم، وانتقاد ضيقهم بالجمهور، وأسلوب معاملتهم الذى يتسم نفاد الصبر مع تكدس الزحام، قبل أن أقول هذا على معظم العاملين بمكاتب الشهر العقارى «الا من رحم ربى» يجب أولا أن أكون منصفة، وأصف مكاتب الشهر العقارى لمن «أنقذه» حظه ولم يزرها، أى المقر يا سادة عبارة عن مساحة ضيقة جداً وكأنها زنزانة، تلاصقت فيها المكاتب الرديئة، اختفت المراوح، ولا أقول أجهزة التكييف، الأرضيات والجدران قذرة، الدفاتر التى تحوى مصالح وممتلكات الناس وتثبت حقوقهم متهالكة «مزيتة»، مكدسة على أرفف أكثر تهالكاً أو ملقاة على الأرض، لو حدث لا قدر الله وسقط عقب سيجارة من موظف «متنرفز» لتم تدمير الدفاتر ومستندات الملكيات وكل مصالح البشر بشرار طائشة.

والمؤسف أن الأمر لا يقتصر على مكاتب الشهر العقارى القديمة، والتى أعتقد أن أيدى الصيانة والتطوير لم تطلها منذ بداية عهد مبارك، بل الكارثة والوصمة امتدت إلى المكاتب الجديدة والتى أنشئت مؤخراً فى المدن الجديد والمفترض أنها تخدم مستثمرين وأصحاب أملاك أغلبهم نخبة، وأذكر على سبيل المثال مكتبين فى مدينة الشيخ زايد وأكتوبر، وهما بالطبع حديثان، فمكتب زايد سجين بمساحة لا تزيد على خمسة أمتار مربعة، مقسمة تقسيماً غريباً وعقيماً به مكتب متر X متر ونص وراء باب حديدى، والمسئول المسكين يضع كرسى «بالعافية» بداخله وكأنه سجين فى أضيق زنزانة بالعالم، أما الكمبيوترات، فحدث ولا حرج، لا تعمل منذ أن تم تسليمها إلى الموظفين تقريباً، فالسيستم دائماً «واقع» أما دفتر أذونات الدفع، فهو «منتهى» معظم الأيام، وعلى الراغبين فى توثيق أوراقهم الذهاب والمجىء من المدن البعيد أو القريبة ثلاث أو أربع مرات لإنهاء عملية التوثيق تارة بسبب «وقوع السيستم» أو أخرى بسبب انتهاء دفتر أذونات الدفع، والذى يتم إرسال مندوب لطلبه وجلبه من الجيزة.

أما مكتب 6 أكتوبر، فهو ليس أفضل حالاً، المواطن سيصل إليه بشق الأنفس، فلا يافطة ولا أى إشارة تشير لمكانه، وهو مدفون فى إحدى العمائر بالدور الأرضى، الجدران تشع «صهداً» لأنهم وعدوا الموظفين بتكييفات، فلم يتم منحهم حتى مروحة، الكمبيوترات سلموها لهم ثم عادوا وسحبوها لأنها «خربانة»، وحين سألت الأستاذ محمد عبدالعال مدير المكتب كيف تعملون فى هذا المناخ، قال كلاماً مضمونه إن أصواتهم بحت بتحسين الأوضاع، دون مجيب.

كارثة والله كارثة يا وزير العدل ما تعانيه مكاتب الشهر العقارى سواء العاملين بها أو المتعاملين معها، كارثة لأن التمويلات لا تنقص هذا القطاع، فهو يدر على الدولة مئات الملايين من الجنيهات سنوياً، ويمكن بجزء بسيط تطوير المنظومة كلها وجعلها آدمية، لا راحة العاملين بها وأيضا المواطنين الغلابة الذين يشربون الأمرين، فهناك قرابة 87 مكتباً للشهر العقارى والتوثيق فى شمال وجنوب القاهرة والجيزة والقليوبية، كلها ولا أستثنى منها مكتباً فى أحوال مزرية مأسوف عليها، لا تليق أبداً بمكانة العاملين المحترمين بها سواء من المحامين أو غير المحامين، هؤلاء يا سيادة الوزير يحملون على عاتقهم أمانات وعبئاً كبيراً قد لا يطيقه غيرهم، وقد وضعهم الله فى هذه المسئولية المهمة والحساسة، ليقوموا على حماية ممتلكات وعقارات ومستندات المصريين بالتوثيق، لذا يجب أن تليق بهم هذه المكاتب، يجب أن تتوفر لهم وسائل الراحة، سواء فى مساحة المكاتب، نظافتها، تطورها واعتمادها على الميكنة والكمبيوتر، حتى يقوموا بدورهم فى خدمة الجمهور بأريحية وراحة نفسية.

يا سيادة الوزير، الدول التى كانت تسير من خلفنا فى ركب التطور والتقنية، سار لدى أى منها الآن مؤسسة واحدة ضخمة محترمة متطورة هى بمثابة محكمة تابعة لوزارة العدل يتم من خلالها توثيق كل عقود الملكية، وبهذا يمكن لأى مواطن أن يرجع لتاريخ أى قطعة أرض أو عقار منذ البداية للنهاية، وبالتالى لا يمكن لأحد تزوير عقد لعقار ما، أو البيع لأكثر من شخص كما يحدث لدينا، يا وزير العدل، الشهر العقارى يحتاج إلى نظرة، إلى إعادة نظر، إلى تطوير، إلى تحسين، إلى خدمات إلكترونية، أن ما تؤديه هذه المكاتب لمهمة تستحق من الوزارة العناء والعطاء، لأنها بالتالى تدر على الدولة مئات الملايين سنوياً، فالرحمة يا وزارة العدل قبل العدل.

[email protected]