أوراق مسافرة
حدقت فى وجهه بنظرة تحدٍ مخلوطة بالغضب وقلت له «أه رايحين للسيسى.. للمنقذ» ردا على سؤاله الاستنكارى الذى فاجأنا به وهو يتفحص جوازات سفرنا بدقة وكأنه يبحث عن مشكلة، إنه ضابط الأمن فى مطار ألمانيا وقد كنت وأسرتى فى طريق عودتنا لمصر بعد رحلة أوروبية، فقد سألنا بصور استفزازية «الله انتوا رايحين للسيسي»، وعندما أجبته اجابتى السابقة، أفلتت من فمه الكريه نغمة سخرية وقال «أهئ المنقذ» ازدادت نظرتى أنا وأولادى غيظا وازدادت أيضا لهجتى تحديا وأنا أقول له «أيوه المنقذ لمصر ولكل البلاد العربية حولها بإذن الله عندك مانع»، وإذا به يمعن فى استفزازنا ويقول «على فكرة أنا ممكن أطلب لكم الأمن وأعطل سفركم، قال له زوجى ساخرا «والله»، على فكرة بكلمة مننا تتفصل من شغلك وتنطرد من المطار، انت أصلا ممنوع تتكلم مع أى مسافر فى السياسة اذا كنت بتحترم قوانين البلد اللى مشغلاك» وبهت من الرد فصمت، وحملنا امتعتنا ونحن نشيعه بنظره احتقار، بينما تكورت فى عينيه نظرة كراهية.
كان هذا هو المصرى الذى يعمل ضابطا بأمن مطار فرانكفورت، ولو عرفنا اسمه وكان لدينا وقت لأبلغنا عنه إدارة المطار لاتخاذ اجراءات حاسمة ضده، فكونه من جماعة الإخوان ويكره مثلهم وطنهم مصر، وكونه يعمل ضابطا فى ألمانيا التى أعتقد أنه يدين لها بالولاء أكثر من وطنه البرىء منه والذى يدنسه بكراهيته وخيانته، كل هذا لا يعطيه الحق فى أن يتحدث مع أى مسافر فى السياسة أو أى أمور شخصية، وأن ينفث سموم كراهيته فى آذان كل من يعبرون المطار.
وللأسف الشديد لم يكن هو الإخوانى الوحيد الذى صادفته فى رحلتى الأخيرة لهولندا، ولندن وسويسرا وألمانيا، فقد صرت «أتكعبل» فيهم كلما مشيت فى أى مكان كما «أتكعبل» فى بالوعات المجارى المفتوحة بشوارعنا فى مصر، وكنت أدوس على كلامهم الحاقد على مصر، كما أدوس «على صراصير البالوعات».
المثير للتساؤلات أن هؤلاء انتشروا بشكل غريب مؤخرا فى البلدان الاوروبية، والمثير أكثر أن هذه البلدان تفتح لهم مجالات العمل على مصراعيها، بل تفتح لهم أبوابا غريبة من التمويل لمؤسساتهم التى تنطلق تحت مسميات أنشطة اجتماعية وثقافية أجنبية بجانب المؤسسات الخيرية والأخرى غير الربحية التى يفتحونها، لتكون غطاء لهم لادارة اعمالهم ضد مصر، وبوقا اعلاميا لنشر الشائعات والاكاذيب وبث الحقد والكراهية، نعم وجدتهم منتشرين، ولا أعرف سبب ثرائهم، وكيف أصبحوا بسرعة رجالات أعمال، ويبدو أن أوروبا تترك لهم حبل الثراء على الغارب لتتقى شرهم، وحتى تضمن أنهم لن يضروا «ولى النعم عليهم» وألا يفجروا أراضيه ومنشآته بالارهاب، بل الأسهل والأمتع لخيانتهم أن يحركوا هذا الارهاب ضد وطنهم مصر، هذا الوطن الذى أنشأهم ورباهم تحت شمسه وأشبعهم من ماء نهره، وبنى لحم اكتافهم من قمحه، وجعل كل «شحط» منهم كالثور العفى، ولكن للأسف ثور ينطح بقرنيه وطنه، سعيا الى قتله.
هؤلاء خرجوا للأبد من حضن الوطن، خرجوا من كادر هذا الشعب الأبي الوفي، الشعب الذى إن غضب من سياسة أو قرارات حكومية خاطئة أو تجاوزات أمنية، أو مصادرة لأى حرية، غضب فى تحضر ووطنية، ولم يجعل غضبه رصاصا يقتل الأبرياء أو قنابل تحرق الوطن، هذا الشعب الذى إن عارض، عارض بصورة ديموقراطية طارحا الحلول، دون أن يلجأ الى حرب قذرة من الأكاذيب والشائعات لضرب قلب مصر فى الداخل والخارج، هذا الشعب الذى لبى دوما نداء الوطن فى ملماتها وأزماتها، فى ثورة 25 يناير ليقول لا للتوريث والفساد، فى 30 يونيو ليقول لا لخلط الدين بالسياسة، لا للتكفير والترهيب، هذا الشعب الذى جمع من مدخراته الصغيرة وأموال اولاده وحلي نسائه البسيطة 64 مليار جنيه فى ثمانية أيام، ليحفر بأمواله قناة الخير الجديدة ليس من أجلهم فقط، بل من أجل أجيال قادمة لتعيش أفضل منا، هذا الشعب الذى أرسل خيرة شبابه بل وشيوخه ليشقوا الصخر ويحفروا الرمال فى الحر القاتل والبرد القارس ويحملوها على أكتافهم دون كلل وقد واصلوا الليل بالنهار، حتى يتحقق الحلم فى عام واحد فقط بالحب والارادة وبقلب رجل واحد، وليس فى عشرة أعوام بالسخرة والكرباج والاكراه كالقناة الأولى، ولتصبح قناة السويس الثانية تاجا شاهدا على أن هذا الشعب إذا أحب أعطى، وإذا أراد.. تحدى، وإذا أخلص النية.. أنجز وأثبت للعالم كله عظمته.
يا شعب مصر لقد صنعتم بأيديكم صورة حلوة، صورة تجمعتم داخلها أنتم الشرفاء المخلصون، المنتمون قلباً وعقلاً لهذا الوطن الذى يستحق كل الحب والانتماء، فما أروع هذه الصورة، وعلى الخونة الامتناع عن الظهور، أن يتنحوا جانبا فاليوم ليس يومكم، العيد ليس عيدكم، الصورة الجميلة المشرقة ليس لكم مكان بها، انتحروا أو موتوا بحقدكم وأنتم مختبئون فى الخلفية كالظلال السوداء مثل قلوبكم، كالبقع الباهتة، لا معنى لكم ولا قيمة، ولا قوة أبدا لتسلبوا لشعب أرادته أو فرحته بهذا اليوم العظيم، فالله عليك يا مصر، الله عليك يا شعب مصر، يا رب اجعلها فاتحة خير، اجعلها بداية ليقظة كل ضمير، اجعلها تصحيحا لكل مسار، اجعلها رزقا للمصريين بعدد كل حبات الرمال.