رأي الوفد
في إطار السعي نحو إنتاج برلمان يعبر بصدق عن قيم ومبادئ الثورة المصرية، تنشغل القوى الوطنية الثورية بمحاولات شتى تستجمع بها كافة مكوناتها لمجابهة محاولات العودة من قبل نظام مبارك الفاشي، بينما تسعي قوى سياسية أخرى إلي حصد مقاعد البرلمان دون النظر إلي أي اعتبار آخر.
وهنا تكمن عدة إشكاليات ينبغي الانتباه لتداعياتها علي الساحة السياسية؛ فليس كل من كان في الحزب الوطني يمكن اعتباره مساهماً في الفساد الذي استشرى في كافة أوصال الوطن إبان حكم مبارك، وكذلك لا يعد عدلاً أن تُعفي قيادات في الحزب الوطني من مسئولياتها لمجرد أنها لم تكن محل تحقيقات قضائية أثبتت فسادها؛ ذلك أن ما يتم من محاكمات لم يتطرق إلي النواحي السياسية، بينما الانتخابات البرلمانية المقبلة تستند في شق أساسي منها علي محاكمة شعبية لا تغفل أبداً عن طبيعة الدور السياسي الذي نهض به المرشح قبل الثورة، سواء كان في الحزب الوطني أو في غيره من الأحزاب، أو حتى كان مستقلاً.
ومن هنا، يظل الرهان الأكبر علي حقيقة ما يملكه الناخب من قناعات تجاه المرشح، وما إذا كان يعتبره مسئولاً عن فساد ما قبل ثورة يناير المجيدة التي أسقطت حكم مبارك، أو يعتبره «صاحب خبرة» لم يستطع نظام مبارك أن يلوثه رغم عضويته في الحزب الوطني.
وعلي هذا، يظل البرلمان المقبل كياناً يقبل الإسهام في تكوينه من مختلف الرؤى والتيارات؛ ومن ثم يعبر بالفعل عن حالة عدم اليقين التي تتمتع بها الساحة الداخلية الراهنة، والتي هي من سمات المرحلة الانتقالية من عمر عملية التحول الديمقراطي؛ إذ تتقاذف الثورة تيارات لا تحمل بداخلها ثوابت عديدة مشتركة، ما بين سعي حثيث من نظام مبارك للعودة إلي الساحة السياسية، وقدرة الثورة علي إفراز وتجسيد محتواها من قيم ومبادئ، وبين الفريقين تتأرجح عملية التحول الديمقراطي صعوداً وهبوطاً، فيما يعبر عن الحاجة إلي مواصلة العزم من قبل أبناء الثورة للدفاع عن ثورتهم.
لا ينفي ذلك وجود محاولات للعودة خلسة من قبل أعضاء الجماعة الإرهابية، خاصة قيادات الصفوف الخلفية غير المعروفين بانتماءاتهم الإخوانية، وهم فريق لا ينبغي الاستهانة بقدرته علي الحشد والتستر بالدين، بعيداً عن كل ما يتصل به مع الجماعة الإرهابية من أفكار يمكن أن تفضح حقيقة انتمائه.
ليبقي الناخب، صاحب الثورة، مسئولاً مسئولية مباشرة عن اختياراته، فلا وصاية لحزب أو فصيل معين علي اختيارات الناخب، كما أن الناخب علي دراية واسعة بحقيقة المرشح، ربما بما يفوق قدرة الأحزاب علي متابعة مرشحيها عن قرب في دوائرهم، خاصة وأن المرحلة الأخيرة شهدت عمليات استقطاب شديدة، بموجبها انضمت شخصيات كثيرة إلي أحزاب وقوى سياسية لم تكن علي صلة تاريخية بها.
بيد أن ضبابية المشهد قد تترك أثراً كبيراً في مكونات البرلمان المقبل، نظراً لما شهدته الساحة الداخلية من عمليات تشويه وشراء وبيع، طالت الكثير من القيم والمبادئ التي نادت بها الثورة المصرية، بموجبها حدثت عمليات غسيل للسمعة السياسية، لعلها لا تخفي علي جمهور الناخبين، وقدرتهم علي إجراء فرز وطني صحيح، ليبقي الناخب محل المسئولية أولاً.
«الوفد»
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض