مكانة الحج في الإسلام
قال الدكتور حجازي فارس إمام وخطيب مسجد سيدي عبد الرحيم القنائي، إن الحجُّ أحد أركان الإسلام الْخَمسة، أوجبَه الله - سبحانه وتعالى - على المستطيع من عباده في قوله - جلَّ شأنُه -: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ [آل عمران: 97] وهو عبادة العمر، وخِتَام الأَمْر، وتَمام الإسلام وكمال الدِّين، وإنَّما كان بِهذه المكانة؛ لأنَّ الله سبحانه أنزل على نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - في حجَّة الوداع آية الإِتْمام والرِّضا والإكمال في قوله - عزَّ مِن قائلٍ -: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].
اقرأ أيضا: دعاء السفر: اللّهُمّ إِنّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرّ وَالتّقْوَىَ
واضاف فارس في تصريح خاص لـ"لبوابة الوفد" ، أ، هذه المكانة قد غرَسَها الله في قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربِها، فإنَّك تَجِد المسلم مهما تباعدَتْ به الدِّيار، ونأى به المزار يتحرَّق شوقًا إلى زيارة البيت الحرام، وتظَلُّ أطياف هذه الزِّيارة تداعب خياله، ويَمْلأ الحنين إلى البيت قلْبَه حتَّى يأذن الله له بتحقيق هذه الأُمْنية التي يعتبرها كلُّ مسلم تتويجًا لرِحْلة العمر، وبابًا للفوز برِضْوان الله، وهذا الشَّوق الذي يَخْتلج في قلب كلِّ مسلم إلى بيت الله الحرام، إنَّما هو تَحْقيق لدعوة أبِي الأنبياء إبراهيم - عليه السَّلامُ - حينما أَسْكن ابنه إسماعيل - عليه السَّلام - وأمَّه هاجر في رحاب البيت وتركَهما، ثُمَّ اتَّجه إلى ربِّه يُناجيه ويتضرَّع إليه: ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ [إبراهيم: 37]، وهذا الحنين إلى البيت الذي تَفِيض به قلوبُ المُسْلِمين في شتَّى بقاع الأرض إنَّما هو استجابة لِهَذه الدَّعوات التي فاض بها قلبُ أبي الأنبياء إبراهيم - عليه السَّلام - وهذه الأرزاق التي تَمْلأ جوانب الأرض المقدَّسة قادمة من كلِّ صوب وحدب من جنبات الأرض المعمورة إنَّما كانت بِبَركة هذه الدعوات أيضًا.
وتابع:" فلعلَّ في ذلك الحنين الذي يغمر القلوب، والأرزاق التي تأتي لتلك البُقْعة المطهرَّة، لعلَّ فيها عِبْرةً لمن كان له قلْبٌ أو ألقى السَّمع وهو شهيدٌ، والذي يُعْمِل فِكْرَه، ويرى ما حبا اللهُ به هذه الأرض المقدَّسة من كلِّ خيرات الدُّنيا، يدرك على وجه اليقين صِدْق قول الله في كتابه بأنَّ ثَمرات الأرض ستُجْبَى إلى تلك البقعة المطهَّرة، وكان ذلك في مَجال الردِّ من متابعة النبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن تَطْمع فيهم القبائل، وتَعْدو عليهم، فأبرزَ الله نعمته عليهم، وقرَّر هذه الحقيقة التي نَرى آثارها واضحة بيِّنة للعيان، في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ﴾ [القصص: 57].
والمسلم في هذه الأرض المقدَّسة يرى ثَمرات الشَّرق والغرب تصبُّ فيها، فالْحَمد لله على نَعْمائه، ونسأله دوامَها، والمزيد منها، وأن يُلْهِمنا شُكْرَها؛ ﴿ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ [النمل: 40].
واردف أن فَضْل الحجِّ عظيم، وحسْبُنا لِنُدرك عظمة هذا الرُّكن أن نَعْلم أنَّ ثوابه الجنَّة؛ فقد قال النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الْحجُّ المَبْرور ليس له جزاءٌ إلاَّ الْجنَّة))، قيل: وما بِرُّه؟ قال: ((إطعام الطعام وطيب الكلام))[1]، وأجْدِر بعملٍ يكون جزاؤُه الجنَّة أن تُسارع النُّفوس إلى الحصول عليه وإلى بَذْل الجهد في تحقيقه! والحقُّ أن المسلم حينما يَتْرك بلاده، وأهلَه وماله وأولادَه، ويَسْعى إلى أداء هذه الفريضة مُستهينًا بِمَشاقِّ السَّفر، وتَحمُّل فراق الأهل والأولاد، مضحِّيًا بالمال والرَّاحة، مبتغيًا رِضا الله عنه، فإنَّما يفعل ذلك إدراكًا منه لفضل هذه العبادة الَّتي اجتمع فيها كلُّ ما في ألوان العبادات الأخرى من الأعمال والأفعال، فهَنيئًا لِمَن وفَّقَهم الله لحجِّ بيته الحرام، ورجاء لِمَن لم يتحقَّق له ذلك هذا العامَ أن يُيسِّر الله له السَّبيل إلى الحظوة بهذا الشرف والحصول على هذه النِّعمة التي يفيضها الله على من حجَّ بيته الحرام.
وقد سُئِل النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن أفضل الأعمال، فقال: ((إيمانٌ بالله ورسوله))، قيل: ثم ماذا؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله))، قيل: ثم ماذا؟ قال: ((ثم حجٌّ مبرور))؛ متَّفَق عليه.
وقد تحقَّق هذا الفضل لعبادة الحجِّ؛ لأنَّ الله سبحانه أمَر خليله إبراهيم أن يؤذِّن في الناس بالحجِّ، وأخْبَر في كتابه أنَّ الاستجابة لِهَذا الأذان ستكون عامَّة؛ وشاملة يُلبِّيها المسلمون من أقاصي البلاد كما يلبُّونها من أدانيها، فالله سبحانه يقول: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ [الحج: 27، 28].
لمزيد من الأخبار..اضغط هنا
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض