المؤسسة الدينية تنشد توفير الأجواء الإيمانية فى إطار الوسطية
طقوس رمضان الطبيعية فى طريقها للعودة الكاملة بعد تراجع «كورونا»
امتناع المسلم عن المفطرات اختيارى لا يحتاج إلى رقابة خارجية
الدكتور رضا محمد حسين الدقيقى الأستاذ بقسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بطنطا، من مواليد عام 1967 ميلادية، أتم حفظ القرآن الكريم فى العاشرة من عمره، وحصل على: الإعدادية والثانوية الأزهرية 1984. ثم التحق بكلية أصول الدين بطنطا وحصل على «ليسانس أصول الدين فى العقيدة والفلسفة» 1988 بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، وكان الأول على دفعته. فى عامى 1989 و 1990 أنهى تمهيدى الماجستيربتقدير جيد جدًا، ثم الماجستير فى العقيدة والفلسفة فى 1994 بتقدير: ممتاز.
فى المدة من 1995 إلى 2003 درس اللغة الألمانية لعشرة أشهر بمعهد جوته بمدن: الإسكندرية وبون وجوتنجن، وسافر فى بعثة إشراف مشترك بمنحة وتمويل من وزارة التعليم العالى المصرية إلى جامعة جورج آوجست بمدينة جوتنجن الألمانية لدراسة الدكتوراه فى الاستشراق، ودرس خمسة فصول دراسية فى كلية الفلسفة بالجامعة ذاتها، وحصل عام 2003 على العالمية «الدكتوراه» فى أصول الدين، العقيدة والفلسفة بـ«مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطبع الرسالة وتداولها بين الجامعات».
عمل «الدقيقى» معيدًا فى كلية أصول الدين بطنطا عام 1990، ثم مدرسًا مساعدًا عام 1994، ومدرسًا عام 2003. فى المدة من 2006 إلى 2013 أعيرإلى جامعة (نور مبارك) بكازاخستان، وعمل فى أثنائها إلى جانب التدريس مديرا لمركز الثقافة والتعليم المفتوح بالجامعة لمدة سبع سنوات. فى يونيو 2013عاد لعمله فى كلية أصول الدين بطنطا. فى فبراير 2020رُقى لدرجة أستاذ مساعد العقيدة والفلسفة، ويعمل كذلك مديرا لوحدة الجودة بالكلية. له أكثر من عشرين كتابًا وبحثًا؛ يدور بعضها حول مناقشة رؤية الاستشراق للعقيدة الإسلامية، وبعضها حول قضايا: عقدية وأخلاقية وفكرية وفلسفية. كما اهتمت بعض بحوثه بالتجديد ونقد التعصب والفهم الخاطئ للدين. وله مشاركات فى تأليف مقررات العقيدة والفلسفة التى اعتمدتها جامعة الأزهر. وقُررت بعض كتبه فى جامعة نور مبارك بكازاخستان. وألقى بعض البحوث فى مؤتمرات دولية، وتُرجم ثلاثة من كتبه للغة الإنجليزية.. «الوفد» التقته وهذا نص الحوار:
• يرى بعضهم أنَّ الحديث عن مقاصد الصيام وفوائده يجرد الصوم من كونه أمرًا تعبديًا لله، ويدخله دائرة النفعية الدنيوية فما رأيكم فى هذا الطرح؟
- شرع الله الصيام لتحقيق عبوديتنا الاختيارية الطوعية لله تعالى؛ ولاختبار امتثالنا وتسليمنا لأمره. وهذا مقتضى كوننا عبادًا لله الذى قال: «وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون». لكن هذا الجانب التعبدى لا يمنع من اجتهادنا فى بيان فوائد الصيام التى نترجاها من قيامنا به.
• هل ذكرت لنا بعض مقاصد الصيام وفوائده مع بيان كيفية تحقيقها عمليا؟
- نستطيع أن نتحدث عن الصيام بوصفه مسهمًا فى تحقيق التقوى؛ فحين فرض الله علينا الصيام علل ذلك بقوله: «كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون». فالصيام بنص هذه الآية يُرجى منه تحقيق التقوى التى تعنى الشعور الداخلى بوجود الله تعالى ورقابته علينا وعلمه بأفعالنا. وتتحقق التقوى عمليًا حين نلاحظ أنًّ امتناع المسلم عن المفطرات هو امتناع اختيارى طوعى نابع من الذات؛ وليس بحاجة إلى أى نوع من رقابة من خارجها؛ سواء من المجتمع أو من الدولة أو من الأسرة أومن دائرة الأصدقاء. وبسبب هذه الرقابة الذاتية يجتهد المسلم الصائم وهو يتوضأ ألا تتسلل أى قطرة ماء إلى جوفه على الرغم من شدة عطشه وهو فى وسط النهار مع ارتفاع الحرارة وتوفر داعى الشرب رغبة فى الرِيّ؛ وليس ثمتئذ مُلاحِظ أو ناظرٌ أو رقيبٌ ينتبه إلى تسلل قطرة الماء إلى الجوف!. إنَّ تكرار هذا الشعور هو تدريب عملى متصاعد على تنمية الضمير، وتحفيزِ عواملِ الضبطِ الداخلى فى كل فرد، وتخفيفِ الحاجة إلى عناصر الضبط الخارجي؛ مما يسهم فى تحقيق التقوى.
• لماذا لا نلاحظ هذا الجانب كثيرًا فى أحاديث الوعاظ عن الصيام ولماذا لا ينتبه الصائمون إلى هذا الأثر التربوى للصيام؟
- المطلوب فى هذا الجانب ثلاثة أمور؛ أولها: أن يستحضر المُربُّون والوعاظ هذا الشعورلدى الصائمين، ويذكروهم به، ويسلطوا عليه الضوء، ويُنَمُّوه ليبقى حاضرًا دومًا فى دائرة وعيهم حتى لا يغدو صيامُهم تقليدًا أو فعلًا بلا هدف أو مظهرًا اجتماعيًا فلكلوريًا. وهم حين يفعلون ذلك فإنما يهتدون بهداية القرآن «لعلكم تتقون».
ثانيها: أن يمد الصائمون خط الرقابة الذاتية على استقامته ليستوعب الكف عن الحرام وقد تدربوا على الكف عن بعض الحلال! ثالثها: أن يستصحب الصائمون ثمرات هذا الشعور ويُشغِّلوها فى الشهور التالية لرمضان؛ لتبقى مؤثرة فى سلوكهم طيلة العام.
• ما المقصد الثانى للصوم وكيف يتحقق؟
- المقصد الثانى للصوم ترقية الهمة وتقوية الإرادة؛ ويُسهم هذا فى إمكانية أن يتخلى الصائم مختارًا عن عادات آسرة سيئة أحكمت خناقها على بعض الناس قبل
• ألمح من خلال كلامك أنه على الرغم من أن الصيام فعل فردى إلا أنَّ الفرد يتأثر بالمجتمع أليس كذلك؟
- نعم العلاقة وثيقة بين الفرد الصائم والمجتمع؛ لذا فإنَّ المجتمع يجب أن يحرص على توفير الأجواء الإيمانية بدون صخب أو ضجيج، وبلا تشدد أو تنطع، وفى إطار الوسطية التى تنشدها المؤسسة الدينية؛ لأنَّ هذه الأجواء تعين السالك، وتشجع الكسلان، وتأخذ بيد فاتر الهمة، وتُذكر اللاهى والعاصى. والحمد لله أنَّ أوضاع الحياة الطبيعية فى طريقها للعودة الكاملة بعد ذهاب حدة موجات كوفيد 19 المتتابعة، ونسأل الله استمرار السلامة.
•هل يمكن أن يسهم الصوم فى التعافى من العادات السيئة؟
- لا تخفى علينا أحاديث النبى (صلى الله عليه وسلم) التى بينت أنَّ الصيام الحقيقى ترك ما حرمه الله من الزور والباطل؛ مثل قوله: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه»،وقوله: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فإنَّ سابه أحد أو شاتمه فليقل إنّى امرؤ صائم». ولَعَمْرى إنَّ طريق الصيام طريق تربوى تدريجى فى التعافى من كثيرٍ من العادات السيئة الآسرة. ولوأحسن الدعاة والمربون إبراز هذا التاثير الإيجابى للصيام؛ وانتبه إليه الصائمون؛ لشهد الشهر الكريم آخر عهد كثيرٍ من الصائمين بالتدخين والكذب والخداع والخيانة واللغو والرفث والغيبة والنميمة وتضييع الوقت والمال والعصبية وسوء الخلق والكسب الحرام وقول الزور والعمل به.
* ما المقصد الثالث للصوم وكيف يتحقق؟
- من مقاصد الصوم زيادة الإيمان والترقى فى درجاته؛ وذلك لأنَّ الشارع قد جعل للصوم المفروض مدى زمنيًا ثابتًا هو شهر رمضان، حيث تتحول الشعيرة وما يصاحبها من أجواء إلى حالة مجتمعية عامة؛ تجعل منها حدثًا عامًا منتشرًا؛ مما يعمق وعى المسلم بمجتمعه، وانتماءه إليه، وييسر عليه سبيل الإفادة من ثمرات هذا الشهر؛ لشعوره أنَّ الصيام وما يتعلق به قد أضحيا حالة مجتمعية وليس سلوكًا فرديًا. ولا شك أنَّ الروح التى تنتشر فى المجتمع من آثار الذكر والتلاوة والصلاة والدعاء والصدقة تدعم الإيمان وتُنميه داخل وجدان الفرد. ومن خلال مشاهداتنا ندرك أنَّ شهر رمضان قد شهد بدايات توبة كثير من المهتدين.
• البعض يتحدث عن الفوائد الصحية للصوم فهل يمكن أن تقدم لنا إضاءة حول هذا الجانب؟
- نعم للصيام تأثير صحى إيجابى على الصائم غير المريض ببعض الأمراض؛ وقد أشار القرآن الكريم إلى أصل ذلك حين قال: «وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون». وقد اعتمد كثير من الأطباء- وهم أهل العلم والذكر فى هذا الجانب- بعض صور الصيام سبيلًا للتعافى من بعض الأمراض العضوية وسبيلًا كذلك لننعم بأحوال صحية جيدة، فالمعدة بيت الداء والصوم سبيل للحد من السرف الذى لا يحب الله من اتصف به قال تعالى: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض