نماذج من أدب الحوارات يحكيها القصص القرآني
عن طريق العقل والحكمة والكلمة الطيبة، رسم الإسلام لأمته أدب الحوار وجاء الخطاب الإلهي، والمنهج النبوي الكريم موافقًا للفطرة التي فطر الله عليها الإنسان، وهي مخاطبة الناس على قدر عقولهم.
وكرَّم الإسلام الإنسان باستخدام العقل والحوار مع الصغير والكبير والذكر والأنثى والعالم والجاهل والمؤمن والكافر.
وما أحوجنا إلى حوار هادئ هادف بنَّاء يجلي الحقيقة ويكشف الغموض ويعيد الحق إلى نصابه مع الرضا والقناعة التامة، وترك الجدال.
والحوار وسيلة فاعلة لتحقيق الأهداف المنشودة للمعلم والداعية ولرب الأسرة وطالب العلم ولكل مسؤول فهو ضرورة من ضرورات الحياة مع ما فيها من شقاق ونزاع ومد وجزر وأخذ وعطاء وهو ما ذكره الله -تعالى- في قوله سبحانه: "وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" فالحوار محمود، والجدال والمراء مذموم، ولقد وضع لنا القرآن الكريم أسس الحوار العقلي مع الآخر في قوله سبحانه وتعالى "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ".
والهدف من الحوار الهادي مع الطرف الآخر إيصال الحق إلى مستحقه مع احترامه والحرص على مصلحته من دون استفزاز أو إثارة أو استهزاء أو سخرية. هذا المنهج الحضاري المتمشي مع حاجة العصر القائم على أساس البرهان والتدبر والتفكر وبيان المسلمات الثابتة بعيدًا عن التعصب وحب الذات، كما قال تعالى "(وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ).
ولقد ذكر لنا القرآن الكريم نماذج من الحوارات التي اشتمل عليها القصص القرآني كما في قوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)، وفي قصة نبي الله إبراهيم -عليه السلام- مع أبيه وهو يحاوره بهدوء ورفق ولين، حوار الابن البار بأبيه وهو يكرر تكرارًا ومرارًا (يا أبت) ليبقي حق الأبوة فوق كل شيء. وفي موضع آخر يأتي حوار نوح -عليه السلام- مع ابنه قبل أن يصاب بالغرق مع قومه. هذه بعض الحوارات الراقية وما أحوجها إلى التدبر والتفكر من أصحاب العقول الراجحة. إن المتتبع لسنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يجد الأمثلة الرائعة والحوارات الهادفة التي تنبئ عن حلم النبي -صلى الله عليه وسلم- وسعة صدره ورأفته بأمته وهو يستمع وينصت في أدب ثم يحاور في هدوء وثبات وسماحة كيف لا وهو القائل: "لا تغضب". كيف لا. وهو القائل "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". كيف لا وهو القائل "ليس المؤمن باللعان ولا الطعان ولا الفاحش ولا البذي". كيف لا وهو القائل: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وصدق الله إذ يقول في محكم التنزيل: "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ"، وانظرو إلى هذا الموقف مع أحد الشباب الذي جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال يا رسول الله ائذن لي في الزنا فأقبل الناس إليه فزجروه ثم قال عليه الصلاة والسلام له: أدن مني فدنا منه ثم قال له أتحبه لأمك؟ قال. لا والله. جعلني الله فداك، قال ولا الناس
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض