رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

كتابة التاريخ تخضع لأهواء المؤلفين

بوابة الوفد الإلكترونية

نبهتنا الدراما المصرية، خلال السنوات الأخيرة، إلى أزمة أو قضية خطيرة نعيشها فى مصر، وهى أن أغلب من دونوا تاريخنا قد كتبوه من خلال وجهة نظرهم وانطباعهم، متأثرين في كتابتهم له بمدى قربهم أو بعدهم من الشخصية التى يتناولونها. هل هو صديق فنرصد كل الإيجابيات ونعظمها ونعطى ظهرنا للسلبيات، أم أنه لم يكن كذلك فنعمل على تشويه صورته وتاريخه أمام العالم؟

هذه آفة وجدناها فى الكثير من الأعمال الدرامية التى صدرتها لنا شركات الإنتاج وبعض المؤلفين من كتاب الدراما. التاريخ هو تاريخ بحلوه ومره، وهناك شخصيات اتفق عليها وهناك آخرون دارت حول حياتهم خلافات كثيرة نتيجة وجهات النظر المتعددة المثارة حول الشخصية، رغم أن أهم ما على المؤرخ مراعاته أن يكتب ويرصد دون تحريف أو تزييف، ودون إرضاء لأطراف على حساب أطراف. أزمتنا فى مصر أن التاريخ تتم كتابته وفق هوى المؤلف، لذلك هناك حقائق تاهت معالمها في خضم الأكاذيب، وهناك أكاذيب انتشرت وطغت على الحقائق، وبالتالى تم تشويه وتحريف جزء كبير من حياتنا وتاريخنا وموروثنا.

الأزمة الحقيقية هي أن الدراما عندما اهتمت بالتاريخ ورموزه كان الهدف منها هو تعريف الأجيال التى لم تعش هذا التاريخ كما دارت أحداثه، وبالتالى فالمعلومات التى يعرفها الشباب أو الأجيال التى لم تعش تلك الفترة أصبحت لديهم مشوهة. فهل يعلم أصحاب الخلاف الشهير حول زواج عبد الحليم حافظ من سعاد حسنى أو عدم زواجهما أصبح هو الأكثر تداولا بين شباب هذا الجيل، لأن الأخوة الذين تصارعوا حول التأكيد أو النفى، كان هدفهما الأول - للأسف - هو إثبات مدى قربهم من حليم أو سعاد، لذلك خرجت روايات كثيرة، رغم أن عبدالحليم وسعاد حسنى ما عاشا تلك القصة فى القرون الوسطى، فقصتهما لم يمض عليها أكثر من 50 سنة، والشىء الأغرب أن البعض دلل على عدم وقوع الزواج بأن حليم كان محرما عليه الاقتراب من النساء بتعليمات الطبيب، ورد أصحاب الرأى الآخر بأنه تزوجها نظرًا لحبه الشديد لها وبالتالى لم يكن حليم فى حاجة ماسة إلى إقامة علاقة شرعية معها.

وقبل أن نترك حليم، من منا لا يتذكر كيف تجاهل مؤلف فيلم «حليم» علاقة عبدالحليم الفنية برفيق المشوار محمد الموجى فى واقعة تشويه وتحريف لحياة أهم مطرب عربى ووقتها أعلن أبناء الموجى عن استيائهم من هذا التجاهل، وخرجت وقتها شائعات عن وجود خلاف بين المؤلف وبين الموجى أدى لهذا التجاهل.

أم كلثوم أيضًا عندما ظهر مسلسلها الشهير الذى لعبت بطولته صابرين خرج البعض معترضًا على بعض أحداثه، ثم عاد الحديث مرة أخرى عن حياة أم كلثوم خلال السنوات الأخيرة، وتطرقوا إلى أمور شخصية جدًا، محاولين تشويه صورة سيدة الغناء العربى وأهم مطربة عربية فى تاريخ الغناء.

أيضًا الاعتراضات طالت كل الأعمال الدرامية التى تناولت رموزنا. منذ أيام قليلة ظهرت قضية أخرى متعلقة بتشويه الزعيم مصطفى باشا النحاس فى أحداث مسلسل «الجماعة 2» بوضع بعض المشاهد التى تهين هذا الزعيم الوفدى الكبير، والعمل على إظهاره ضعيفًا أمام الملك، وهو ما يتنافى مع حقيقة تاريخه كأهم وأنقى رئيس

وزراء عرفته مصر. وهو الأمر الذى أعاد إلى الأذهان تلك الوقائع التاريخية التى أهانت رموزنا، وكأن تشوية الرموز أمر مقصود. وكأن كل رموزنا كتب عليهم أن يشوهوا بسبب حبكة درامية أو وجهة نظر مؤلف، رغم أن الرصد أو الكتابة يعنى تقديم معلومة وليس وجهة نظر، التاريخ لا يكتب حسب الهوى أو نتيجة كره أو حب. لذلك نحن نعيش فى مصر أزمة كبيرة عندما نريد العودة لمعلومة والتأكد منها، حتى الآن لا نعلم تاريخ ميلاد أسماء كبيرة مثل أم كلثوم وعبدالوهاب. حتى الآن كل رموزنا السياسية تاريخهم تم تشويهه أو تجميله نتيجة علاقة الشخصية بمؤلف الكتاب.

هناك كاتب صحفى كبير راحل له روايات أكد البعض عدم صحتها، لأنه قالها نتيجة وجهة نظره فى الشخصية لا نتيجة أي شىء آخر. ووصفوا كل الشخصيات التى تحدث عنها إما بأنها «ملاك» لأنه كان قريبا منها أو «شيطان» لأنه لم يكن على وصال معها.

ليس مطلوبًا من المؤلف أن يجمل الشخصية، كذلك ليس مطلوبا منه تشويهها من أجل حبكة درامية، لكن على المؤلف العودة إلى أكثر من جهة قبل أن يكتب، أما الاعتماد على مراجع بعينها أو شخصيات بعينها، فهذا يعنى أن هناك «استسهال»، وبالتأكيد على المؤلف أن يعود إلى آراء أو أقوال شخصيات لها مصداقيتها، ليست أسيرة ميولها السياسية، خاصة بعد رحيل 99% من كبار مؤرخينا، التأكيد على هذه النقطة مهم لأن أغلبنا فى مصر يعيش على الثقافة السمعية أو التى يتلقاها من الدراما والسينما، وبالتالى فالأزمة أكبر من طرح واقعة صحيحة أو كاذبة.

الأزمة الحقيقية أننا مع كل قضية نجد الوسط الثقافى والفنى مشطورا إلى نصفين، الأول مع المؤلف ويدافع عنه بشراسة، رغم أن بعض أفراد هذا المعسكر ربما يكون على يقين من خطأ المعلومة، والمعسكر الثانى يضم أصحاب وجهة النظر الأخرى وفى النهاية تتوه القضية ولا نصل إلى المعلومة. قضية تشويه الرموز فى حاجة إلى جهة تتولى بنفسها عملية المراجعات التاريخية حتى لا تتوه الحقائق ونعيش نفس الأزمة مع كل مسلسل أو فيلم.