"ثمرة شفاه" و"أبناء الرسل" و"أنغام سماوية" مواهب كنسية تحاكي التاريخ بلغة الفن
لم يكن المشهد مجرد عرض فني يُشاهد من مقاعد المسرح، بل رحلة تتجاوز حدود الزمان والمكان، تأخذ المُشاهد من واقعه إلى عالم آخر، وتفتح أمام عينيه أبواب التاريخ، حتى يجد نفسه وكأنه أحد شهود الأحداث، يرى تفاصيلها، ويعيش لحظاتها ويتأثر بمشاعر أبطالها دون أن يشعر بالمسافة التي تفصله عنهم أو بالقرون التي تفصل زمنه عن زمنهم.
وعلى مسرح الأنبا رويس بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وأمام قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، جاء العرض الفني "بهذا تغلب" ضمن فعاليات احتفالية مرور 17 قرنًا على اكتشاف خشبة الصليب المقدس، ليعيد تجسيد رحلة الملكة هيلانة في البحث عن الصليب، في عمل امتزج فيه المسرح بالغناء والشعر، وتحولت فيه الكلمات إلى صور حية، والألحان إلى مشاعر والمشاهد إلى نوافذ مفتوحة على زمن بعيد.
وتتوالى المشاهد، فيجد المتفرج نفسه أمام رحلة لا تُروى بالكلمات وحدها، بل تتجسد أمامه بكل تفاصيلها، في أداء تمثيلي يمنح الشخصيات روحها، وكلمات شعرية تحمل عمق اللحظة، وألحان تتسلل إلى الوجدان، لتصنع حالة فنية يصعب معها الإكتفاء بالمشاهد، إذ يصبح القلب شريكًا في كل مشهد، وتغدو الدموع أحيانًا أصدق تعبيرعن أثر ما تراه العين وتعجز الكلمات عن وصفه.
فريق "ثمرة شفاه" مواهب كنسية تبدع في تجسيد مشاهد التاريخ
وفي قلب هذا الإبداع، اجتمعت خبرات فنية صنعتها سنوات الخدمة والموهبة، إذ شارك فريق "ثمرة شفاه"، فريق الترانيم الرئيسي بكنيسة الشهيد مارجرجس بسوهاج، الذي تأسس عام 2000م باسم " كورال شباب مارجرجس" تحت رعاية الأنبا باخوم، مطران سوهاج والنشأة والمراغة، قبل أن يحمل اسمه الحالي منذ عام 2007، مستلهمًا شعاره ومنهجه من الآية الكتابية في رسالة العبرانيين: "ثمرة شفاه معترفة باسمه"، وتميز الفريق بإنتاج ترانيم أصلية وكنتاتا من كلمات أعضائه وألحانهم، إلى جانب مشاركاته في مهرجانات واحتفاليات كنسية متعددة.
وعلى خشبة المسرح، حضرت أيضًا خبرة خدمة المسرح الكنسي بكنيسة الشهيد مارجرجس بسوهاج، الممتدة لأكثر من عشرين عامًا عبر أجيال متعاقبة، قدمت أعمالًا متنوعة بين المسرح التقليدي والفانتازي ومسرح الطفل، وحملت من خلال كنتاتا ومعالجاتها الأدبية رسائل روحية وإنسانية ونفسيه وعميقة.

كورال "أبناء الرسل" مواهب كنسية تمنح التاريخ حياة
ومن أسيوط، شارك كورال "أبناء الرسل" الذي تأسس عام 2001 بكاتدرائية رئيس الملائكة ميخائيل، تحت رعاية الأنبا يوأنس، وبإشراف القس أرميا فتحي، متطورًا عبر المرحلة العمرية حتى جمع طلاب الجامعة والخريجين، حاملًا رؤية تؤمن بأن الترانيم عظة تصل إلى القلب.
كورال "أنغام سماوية"..مواهب كنسية تعيد التاريخ إلى الحياة
واكتملت اللوحة بمشاركة كورال "أنغام سماوية" بكنيسة السيدة العذراء مريم بالفجالة، صاحب المسيرة الفنية الممتدة منذ التسعينيات، بما قدمه من أوبرات وأعمال روحية متنوعة، من بينها "البحث عن الله"، و"أورشليم مدينة السلام"، إلى جانب أعمال موسيقية وترانيم ارتبطت بمناسبات كنسية عديدة.
لكن ما منح العرض خصوصيته لم يكن اجتماع الفرق وتنوع مواهبها فحسب، بل ذلك التلاحم بين الكلمة والصورة والصوت، الذي جعل كل مشهد يمهد لما يليه، وكأن الكلمات الشعرية لم تُكتب لتُلقى على المسرح، بل لتوقظ في النفوس مشاعر ظلت حبيسة الوجدان، وتمنح الأحداث صوتًا يصل إلى أعماق المتفرجين.
وكان للشعر حضوره الآسر بين المشاهد، فالكلمات التي تتردد على الخشبة لم تكن مجرد فواصل بين الأحداث، وإنما جسور شعورية تعبر بالمشاهد من لحظة إلى أخرى، وتضعه أمام المعني الإنساني الكامن وراء التاريخ، ومع كل عبارة مؤثرة كان الأداء يمنح الكلمات حياة تتجاوز حروفها، فتستقر في القلب، وتترك أثرها حتى بعد انتهاء المشهد.
عروض فنية تحاكي التاريخ على مسرح الأنبا رويس
ويبلغ هذا التأثير ذروته حين يستعيد العرض مشهد المرأة المخطئة التي أحاط بها الناس، يريدون رجمها، محاصرين إياها بقسوتهم وأحكامهم، قبل أن يقف المسيح أمام هذا المشهد، كاشفًا ما تخفيه النفوس خلف إدعاء البراءة، وفي تجسيد هذه اللحظة، تلاقى النظرات والحركات والكلمات لتضع المشاهد في قلب المواجهة، بين قسوة الحشد ورحمة المسيح، وبين رغبة الإنسان في إدانة الآخر وعجزه عن رؤية أخطائه.
إنها لحظة تختصر قوة الفن حين يحمل معنى إنسانيًا عميقًا، فالمشهد لا يمر أمام العين فقط، بل يترك سؤالًا في الضمير، ويعيد إلى الوجدان معنى الرحمة، ويجعل الصمت الذي يعقب الكلمات أبلغ أحيانًا من الحوار نفسه.
وهنا تتجلى براعة الأداء التمثيلي، وقدرة الشعر على ملامسة المشاعر، ودور الموسيقي في احتضان اللحظة ومنحها عمقها، فلا يبدو أي عنصر منفصلًا عن الاخر، بل تتكامل العناصر جميعها لتصنع مشهدًا تتوحد فيه الصورة والصوت والإحساس، ويصبح المتفرج جزءًا من التجربة، لا مجرد شاهد عليها.
إنه الفن حين يتجاوز حدود اللغة والمنطق، فإذا تم عرض هذا العمل أمام جمهور لا يعرف العربية، لاستطاعت الصورة والموسيقي وتعبيرات الوجوه وصدق الأداء أن تمنحه إحساسًا بمعاني المشاهد، ليُخيل إليه أنه يفهم كل كلمة تُقال، لأن الرسالة لا تسكن الألفاظ وحدها، بل تتجاوزها إلى لغة أعمق، وهى لغة الوجدان الإنساني.
وهكذا يصبح المسرح جسرًا بعير عليه التاريخ إلى الحاضر، وتغدو خشبته عالمًا تتلاقى فيه الموهبة والإيمان والإحساس، لتظل الدهشة حاضرة حتى بعد انطفاء الأضواء وإسدال الستار.