كيف يصل الإنسان إلى السكينة وسلامة الصدر؟.. عالم بالأوقاف يوضح
أكد الدكتور محمود الأبيدي، من علماء وزارة الأوقاف، أن السكينة وسلامة الصدر من أعظم النعم التي يمنّ الله بها على عباده، مشيرًا إلى أن الإنسان في خضم صراعات الحياة قد يشعر بثقل الهموم وضيق الصدر وكأن الأرض ضاقت عليه بما رحبت، لكنه إذا لجأ إلى الله سبحانه وتعالى وسكن قلبه بالوحي واليقين وجد الطمأنينة التي يبحث عنها، موضحًا أن السكينة هي تلك الهبة الربانية التي إذا نزلت على القلب تحول الضيق إلى سعة، والفقر إلى غنى، والوحشة إلى أنس.
وأوضح العالم بالأوقاف، خلال حلقة برنامج "سكينة"، المذاع على قناة الناس، اليوم الأربعاء، أن الطريق إلى السكينة يبدأ من تهذيب القلب وتطهيره من الغل والحقد، فهذه المشاعر السلبية – كما قال – كالنار التي يحرق بها الإنسان نفسه قبل غيره، مؤكدًا أن الغل والحقد يسرقان النوم وجمال الأيام، ولذلك دعا القرآن الكريم إلى تطهير القلوب، حيث يقول الله تعالى في وصف أهل الجنة: "ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين"، مبينًا أن الجنة لا تكتمل إلا بقلوب نقية، وأن السكينة في الدنيا هي جنة معجلة لمن تعلّم كيف ينزع الغل من صدره.
وأشار الدكتور محمود الأبيدي إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم أصحابه هذا المعنى العظيم من خلال مواقفه التربوية، فقد أخبرهم يومًا أن رجلًا من أهل الجنة سيطلع عليهم، فطلع رجل من الأنصار، وتكرر ذلك ثلاثة أيام، فتتبعه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ليعرف سر عمله، فلم يجد كثرة صلاة أو صيام فوق المعتاد، فلما سأله عن سر حاله قال: لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا ولا غلًا ولا حسدًا، فكان هذا النقاء القلبي هو السبب في هذه المنزلة العظيمة.
وقاية القلب من أعظم أسباب الطمأنينة
وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على سلامة الصدر، فقد كان يقول: "لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر"، موضحًا أن وقاية القلب من أخبار السوء وكثرة نقل الكلام بين الناس من أعظم أسباب الطمأنينة، كما أن العلماء والصالحين أكدوا هذا المعنى، فقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: لما عفوت ولم أحقد على أحد أرحت نفسي من هم العداوات، وقال الحارث المحاسبي: من طهر باطنه بالمراقبة والإخلاص زين الله ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة.
وبيّن عالم الأوقاف أن سلامة الصدر ليست سذاجة كما يظن البعض، بل هي ذكاء روحي يختار الراحة بدل الصراع، فالقلب السليم هو القلب الذي تخلص من الأنانية والعداوات وامتلأ بالله سبحانه وتعالى، وعندما يصفو الصدر يتوقف استنزاف الطاقة في التفكير في الآخرين، ويتجه الإنسان بكل طاقته نحو السلام الداخلي، ولذلك قيل إن سلامة الصدر هي الجنة المعجلة في الدنيا، وأن كثيرًا من الناس لم يبلغوا المراتب العالية بكثرة الصلاة والصيام فقط، بل بسخاء النفس وصفاء القلب والنصح للناس.
وأشار الدكتور محمود الأبيدي إلى أن التخلص من الغل يمكن أن يكون بتدريب النفس على العفو والصفح، وأن يتخيل الإنسان قلبه كوعاء يحتاج إلى تنظيف من البقع السوداء التي تمثل الضغائن، فيدعو الله بصدق أن يغسل قلبه ببرد عفوه، ويستشعر نور الطمأنينة وهو يملأ صدره، مؤكدًا أن سلامة الصدر لها آثار نفسية وصحية عظيمة، إذ إن المشاعر السلبية تضع الإنسان في حالة توتر دائم وتؤثر في صحته ونومه وتركيزه، بينما يمنح الصفح والعفو الإنسان حرية عاطفية وراحة نفسية، داعيًا الجميع إلى أن يناموا وصدورهم خالية من الحسابات مع البشر، حتى يستيقظوا بقلوب مطمئنة وأرواح تحلق في سماوات السكينة.
اقرأ المزيد..