"أنفاس الوفاء الأخيرة".. البحر الأحمر يبتلع غواصي الفيوم في ملحمة تضحية دامية
أمرت النيابة العامة بفتح تحقيق عاجل في واقعة غرق غواصي "لقمة العيش" بالبحر الأحمر، وندبت لجنة فنية من هيئة السلامة البحرية لفحص أسطوانات الأكسجين ومعدات الغوص التي كانت بحوزة الضحيتين، لبيان مدى صلاحيتها الفنية ووجود إهمال من عدمه.
كما كلفت النيابة رجال المباحث الجنائية باستدعاء المسؤولين عن موقع العمل لسماع أقوالهم حول تطبيق معايير الأمان المهني، وطلبت تقرير الطب الشرعي لبيان سبب الوفاة وتوقيتها، مع التوجيه بمراجعة تراخيص الغوص الخاصة بالفقيدين، وضمان استيفاء كافة الإجراءات القانونية قبل تسليم الجثامين لذويهم بمركز سنورس، لغلق ملف "مأساة الأعماق" التي هزت الرأي العام.
لم تكن رحلة غوص عادية، بل كانت "ملحمة وفاء" كتبت فصولها بالدموع في أعماق البحر الأحمر، حيث عانق الموت شابين من خيرة أبناء محافظة الفيوم، بعدما تحولت محاولة إنقاذ بطولية إلى جنازة مائية مزدوجة، واهتزت أركان مركز سنورس على وقع خبر رحيل "الخال وابن أخته" اللذين سافرا بحثا عن الرزق فعادا في صناديق خشبية، واستنفرت الأجهزة الأمنية وفرق الإنقاذ فور وقوع الحادث الأليم الذي كشف عن لحظات تضحية نادرة، عندما رفض أحد الأبطال ترك خاله يواجه الموت وحيدا تحت الماء، ليتقاسما "الأنفاس الأخيرة" حتى توقفت قلوبهما معا، في فاجعة أعادت فتح ملفات السلامة المهنية وقوانين العمل في الأعماق السحيقة.
دراما الأعماق.. "محمد" يختنق و"رجب" يرفض النجاة وحيدا
كشفت التحقيقات الأولية وشهادات المقربين عن كواليس اللحظات المرعبة تحت الماء، حيث كان الغواص محمد شعبان الصعيدي (36 عاما) يؤدي مهام عمله قبل أن تفاجئه "أسطوانة الأكسجين" بالنفاذ، ليدخل في صراع مع الموت، وفي تلك اللحظة تجلت أسمى معاني الفداء عندما اندفع ابن أخته الغواص رجب حمدي رجب (27 عاما) نحو خاله في محاولة يائسة لمنحه أنفاسه الخاصة عبر "مشاركة الهواء"، إلا أن القدر كان أسرع من محاولتهما، لينفد الأكسجين منهما معا ويلقيا حتفهما غرقا في مشهد يندى له الجبين.
سنورس تتشح بالسواد.. وداع "نماذج الكفاح" بالدموع
تحول مركز سنورس بالفيوم إلى سرادق عزاء كبير، حيث استقبل الأهالي جثماني الفقيدين بمشاعر مختلطة بين الفخر ببطولتهما والحزن على فراقهما، ووصف المشيعون "محمد ورجب" بأنهما كانا نموذجا للمثابرة والكفاح من أجل لقمة العيش الحلال، وطالب أهالي الضحايا بضرورة وضع قوانين صارمة تضمن رقابة حقيقية على معدات الغوص وتفعيل دور الرقابة على مواقع العمل البحرية، لضمان عدم تكرار هذه الكارثة التي خطفت شبابا في مقتبل العمر وأجهضت أحلام أسرهم.
التحقيقات الرسمية.. هل قصرت شركات الغوص في التأمين؟
سجلت دفاتر الشرطة بمديرية أمن البحر الأحمر تفاصيل الحادث المأساوي، وباشرت الجهات المختصة فحص إجراءات السلامة المتبعة في الموقع الملاحي، وسط تساؤلات قانونية حول غياب أجهزة التنبيه عند نقص الأكسجين، وأكدت المصادر أن التقرير النهائي للجنة الفنية سيكون الفاصل في توجيه الاتهامات، بينما بقيت قرى الفيوم في حالة ذهول من فجاعة "غرق الأوفياء"، مؤكدين أن ما فعله "رجب" مع خاله "محمد" سيبقى قصة تروى عن الوفاء الذي لا يقطعه سوى الموت.