بدون رتوش
تدخل العلاقات المصرية الإثيوبية مرحلة جديدة من التوتر، فى ظل استمرار الخلاف حول سد النهضة، وتعثر التوصل إلى اتفاق قانونى ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل، بما يضمن حماية المصالح المائية لدولتى المصب، مصر والسودان. وفى المقابل، تتحرك القاهرة والخرطوم نحو تنسيق مشترك لتقييم التداعيات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية المرتبطة بالإدارة الأحادية للسد، وبحث المسارات القانونية المتاحة للمطالبة بالتعويض عن أى أضرار يمكن إثباتها وفقًا لقواعد القانون الدولى.
وفى هذا السياق، شهدت القاهرة، فى الثانى من نوفمبر الجارى، الجولة الثالثة من مشاورات آلية «2+2» بين وزيرى الخارجية والرى فى مصر والسودان، حيث أكد الجانبان أن الأمن المائى للبلدين وحدة لا تتجزأ، وجددا رفضهما للإجراءات الأحادية فى حوض النيل الشرقى، مطالبين إثيوبيا بالعودة إلى التعاون الذى يرتكز على الإخطار المسبق، والتشاور والتوافق، ومبدأ عدم إحداث ضرر ذى شأن. كما ناقشا الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المرتبطة بإدارة السد، وإمكانية الاستفادة من الخبرات الفنية والقانونية لتقييم الأضرار وتحديد المسؤوليات، وفتح الطريق أمام المطالبة بالتعويضات إذا ثبت وقوع أى ضرر يستوجب ذلك.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة؛ إذ تنقل جانبًا من الخلاف من دائرة التصريحات السياسية إلى مسار فنى وقانونى يستند إلى البيانات والدراسات وتوثيق الأضرار. فالمطالبة بالتعويض لا تقوم على مجرد الاعتراض السياسى، وإنما تتطلب إثبات الضرر، وبيان العلاقة السببية بينه وبين التصرف محل النزاع، وتحديد المسؤولية وفق القواعد القانونية واجبة التطبيق. ومن هنا، فإن التنسيق المصرى السودانى يمثل رسالة واضحة تؤكد أن حقوق دولتى المصب لا يمكن تجاوزها، وأن حماية الأمن المائى مسؤولية مشتركة.
وعلى جانب آخر، تبرز قضية المنفذ البحرى ضمن الحسابات الإثيوبية الإقليمية، إذ تكرر أديس أبابا تأكيد حاجتها إلى منفذ بحرى موثوق، باعتبارها دولة حبيسة تسعى إلى تأمين تجارتها ومصالحها الاقتصادية. ويمكن النظر إلى هذا الملف باعتباره مدخلًا محتملًا لحوار إقليمى أوسع، يربط بين المصالح الاقتصادية والأمن والاستقرار، شريطة احترام سيادة الدول المطلة على البحر الأحمر، وعدم فرض ترتيبات أحادية. كما أن فصل ملف المنفذ البحرى عن الخلاف المائى، مع إمكانية بحثهما ضمن حوار إقليمى متوازن، قد يفتح مساحة أمام التفاهم بدلًا من تصعيد المواجهة.
بيد أن المثير للقلق هو استمرار الخطاب الإثيوبى الذى يؤكد حق أديس أبابا فى تنفيذ مشروعاتها المائية دون انتظار موافقة دول أخرى، إلى جانب اتهامات مسؤولين إثيوبيين لمصر بمحاولة عرقلة التنمية، ومطالبتهم بوقف ما يصفونه بحملات تستهدف بلادهم. وفى المقابل، تؤكد القاهرة أن اعتراضها لا يستهدف حق الشعب الإثيوبى فى التنمية، وإنما يتركز على ضرورة احترام قواعد القانون الدولى فى إدارة الأنهار الدولية، وعدم الإضرار بمصالح الدول الأخرى.
ولا شك أن التنمية تعد حقا مشروعا لإثيوبيا، كما أن الحفاظ على المياه حق وجودى لمصر والسودان. ولا يمكن قبول أن تنفرد دولة بقرارات تمس موردًا مائيًّا مشتركًا، متجاهلة اتفاق إعلان المبادئ لعام 2015 ومبادئ التعاون والإخطار والتشاور. فهل تدرك أديس أبابا أن النيل ليس ملكًا لطرف واحد، وأن التعاون هو الطريق الوحيد لتحقيق مصالح الجميع؟
إن احترام الاتفاقات والقانون الدولى ليس حملة ضد إثيوبيا، بل ضمانة لاستقرار المنطقة وحق شعبها فى الحياة والتنمية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض