عاجل
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار

خبير: الذكاء الاصطناعي أسلحة جديدة لزعزعة استقرار المجتمعات

بوابة الوفد الإلكترونية

لم تعد الحروب في العالم المعاصر تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية أو الاشتباكات المسلحة بين الجيوش، وإنما شهدت طبيعة الصراعات تحولات متسارعة فرضتها التطورات التكنولوجية والرقمية، لتنتقل ساحات المواجهة من ميادين القتال إلى الفضاء الإلكتروني والعقول والوعي المجتمعي، وأصبحت الدول تواجه أنماطًا جديدة من التهديدات التي تستهدف إضعاف الجبهة الداخلية، والتأثير على الرأي العام، وزعزعة الثقة في المؤسسات، فضلًا عن استهداف البنية التحتية والقدرات الاقتصادية بوسائل تتجاوز مفهوم الحرب التقليدية.

ومع التطور الكبير في وسائل الاتصال وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت المعلومات والشائعات والحملات المضللة أدوات مؤثرة في إدارة الصراعات الحديثة، حيث يمكن توظيف المحتوى الرقمي للتأثير على اتجاهات المواطنين، وإثارة حالة من القلق والارتباك، وتوجيه الرأي العام نحو قضايا وأحداث بعينها. 

ولم يعد التفوق في الحروب مرتبطًا فقط بحجم التسليح أو القدرات العسكرية، وإنما باتت القدرة على إدارة المعلومات وحماية الوعي المجتمعي من العوامل المهمة في الحفاظ على استقرار الدول ومواجهة التهديدات المتغيرة.

وتتزايد خطورة هذه التحولات مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى المجالات العسكرية والأمنية، وتطور الطائرات المسيرة والأنظمة الذكية ووسائل جمع المعلومات وتحليلها، بما يفتح المجال أمام أنماط جديدة من الصراعات التي تتداخل فيها التكنولوجيا مع الأدوات العسكرية والإعلامية والنفسية. 

 استهداف قطاعات حيوية

وأصبحت الهجمات السيبرانية تمثل تحديًا متناميًا، في ظل إمكانية استهداف قطاعات حيوية تشمل الكهرباء والمياه والاتصالات والمستشفيات، وهو ما يفرض ضرورة تطوير منظومات الحماية الرقمية وتعزيز قدرة المؤسسات على التعامل مع المخاطر الإلكترونية.

وعلى المستوى الاقتصادي والجيوسياسي، لم تعد أدوات الصراع مقتصرة على القوة العسكرية، بل امتدت إلى الضغوط الاقتصادية والحصار والتأثير على حركة التجارة الدولية والممرات الملاحية الاستراتيجية، التي تمثل شرايين أساسية لنقل الطاقة والبضائع بين مختلف دول العالم. وتكشف التطورات المرتبطة بالممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب، عن مدى الترابط بين الأمن البحري والاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، وتأثير أي اضطرابات في هذه المناطق على حركة التجارة وأسواق الطاقة.

تبرز أهمية بناء وعي مجتمعي قادر على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، وتعزيز ثقافة التفكير النقدي والتحقق من الأخبار قبل تداولها، بالتوازي مع تطوير القدرات التكنولوجية والأمن السيبراني، باعتبارهما من العناصر الأساسية لحماية الأمن القومي ومواجهة التحديات التي تفرضها حروب العصر الحديث.

 ساحة جديدة لحروب الوعي والتأثير

ومن جانبه، حذر اللواء أركان حرب محمد الشهاوي، المستشار بالأكاديمية العسكرية ورئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق، من التحولات الكبيرة التي شهدتها طبيعة الحروب الحديثة، مؤكدًا أن الصراعات لم تعد تدور فقط حول الدبابات والطائرات والسيطرة على الأراضي، وإنما أصبحت تستهدف العقول والوعي المجتمعي، من خلال أدوات وأساليب جديدة تشمل ما وصفه بأسلحة الانتشار الشامل وأسلحة الاضطراب الشامل.

وأوضح الشهاوي،  أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت من أبرز الأدوات المستخدمة في حروب الانتشار الشامل، نظرًا لقدرتها على نقل المعلومات والأخبار إلى ملايين المستخدمين خلال ثوانٍ معدودة، وهو ما يجعلها ساحة مؤثرة في تشكيل الرأي العام وتوجيه اتجاهات المجتمعات.

وأشار إلى أن خطورة هذه المنصات تتمثل في إمكانية استغلالها لنشر الشائعات والمعلومات المغلوطة، والتأثير على وعي المواطنين، وإثارة مشاعر الإحباط والقلق، فضلًا عن محاولة إضعاف الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.

وأضاف أن هذه الأساليب تستهدف إحداث تأثيرات نفسية واجتماعية داخل المجتمعات، دون الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية التقليدية، موضحًا أن التعامل معها يتطلب رفع مستوى الوعي لدى المواطنين، وتعزيز قدرتهم على التحقق من مصادر المعلومات وعدم الانسياق وراء المحتوى المتداول دون التأكد من صحته.

أسلحة الاضطراب الشامل

وعلى صعيد الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية، تناول اللواء محمد الشهاوي مفهوم أسلحة الاضطراب الشامل، موضحًا أنها تشمل مجموعة من أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي، والحصار، والتأثير على حركة الملاحة الدولية، بما قد ينعكس على استقرار الأسواق العالمية وقدرة الدول على مواجهة الأزمات.

وأشار إلى أن الممرات البحرية الاستراتيجية تمثل أحد أبرز عناصر التأثير في الصراعات الدولية، نظرًا لأهميتها في نقل النفط والغاز والبضائع وربط الأسواق العالمية، لافتًا إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيقي هرمز وباب المندب في حركة التجارة وإمدادات الطاقة.

وأوضح أن مضيق هرمز تمر عبره كميات ضخمة من النفط، مشيرًا إلى رقم يقدر بنحو 20 مليون برميل يوميًا، وفقًا لما أورده خلال حديثه، وهو ما يعكس حجم التأثير المحتمل لأي اضطرابات في هذا الممر على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

وأضاف أن تداعيات الأزمات التي تشهدها الممرات البحرية لا تتوقف عند حدود الدول المطلة عليها، وإنما تمتد إلى الاقتصادات المرتبطة بحركة التجارة الدولية، بما يجعل الحفاظ على أمن الملاحة واستقرار الممرات البحرية قضية تتجاوز الإطار الإقليمي إلى نطاق دولي أوسع.

الذكاء الاصطناعي يغير طبيعة الحروب 

وفيما يتعلق بالتطور التكنولوجي في المجال العسكري، أشار الشهاوي إلى أن العالم يشهد تطورًا متسارعًا في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المنظومات العسكرية، بما يؤدي إلى ظهور أنماط جديدة من الأسلحة والوسائل التكنولوجية التي تغير طبيعة المواجهات.

وأوضح أن الطائرات المسيرة، المعروفة باسم «الدرونز»، تمثل أحد النماذج الواضحة لهذا التطور، في ظل تزايد الاعتماد على الأنظمة الذكية والتقنيات الحديثة في جمع المعلومات وتحديد الأهداف، مشيرًا إلى استخدام بعض التقنيات الحيوية، مثل التعرف على بصمة الوجه والعين.

وأكد أن هذه التحولات تفرض تحديات جديدة أمام الدول، خاصة مع تداخل التكنولوجيا الرقمية مع القدرات العسكرية، وهو ما يجعل تطوير منظومات التأمين والحماية ومواكبة التطورات التكنولوجية من الملفات المهمة في حسابات الأمن القومي.

وشدد على أن حماية المجتمعات لم تعد ترتبط فقط بتطوير الأسلحة التقليدية، وإنما أصبحت تشمل أيضًا حماية العقول من التضليل والتلاعب، وتعزيز القدرة على التعامل مع المعلومات والتقنيات الحديثة بصورة واعية.

 المواجهة العسكرية إلى استهداف المجتمعات

واستعرض المستشار بالأكاديمية العسكرية تطور الفكر العسكري عبر التاريخ، من خلال تصنيف الحروب إلى أجيال مختلفة، تعكس التحولات التي طرأت على طبيعة الصراعات وأدوات المواجهة والأهداف الاستراتيجية.

وأوضح أن حروب الجيل الأول ارتبطت بالمواجهات التقليدية المباشرة بين الجيوش، واعتمدت على الاشتباك العسكري المباشر وخطوط المواجهة، مستشهدًا بالحروب النابليونية باعتبارها نموذجًا لهذا النمط من القتال.

أما حروب الجيل الثاني، فارتبطت بحرب النيران والخنادق، والاعتماد على المدفعية والتحصينات الهندسية والمواد المتفجرة، وظهرت ملامحها بصورة واضحة خلال الحرب العالمية الأولى، إلى جانب بعض مراحل حرب الاستنزاف.

وفيما يتعلق بحروب الجيل الثالث، أوضح أنها اعتمدت بصورة أكبر على المناورة وسرعة الحركة والتطويق وكثافة النيران، فيما عُرف بحروب البرق، بهدف تحقيق التفوق العسكري والوصول إلى الأهداف الاستراتيجية في وقت أقصر.

وأشار إلى أن حروب الجيل الرابع شهدت تحولًا في طبيعة الصراع، حيث لم يعد استهداف الجيوش النظامية هو الهدف الوحيد، وإنما امتد إلى المجتمعات والمدنيين، من خلال الحروب اللامتماثلة والجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية.

وتعكس هذه المراحل، وفقًا لحديثه، التطور المستمر في أساليب إدارة الصراعات، واتساع نطاق المواجهة ليشمل مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والإعلامية والاجتماعية.

التجربة المصرية في مواجهة الإرهاب

واستشهد الشهاوي بالتجربة المصرية في مواجهة الإرهاب خلال الفترة من 2014 إلى 2016، مشيرًا إلى تنفيذ أكثر من 1300 عملية في إطار الجهود الرامية إلى مواجهة التهديدات الإرهابية والحفاظ على أمن الدولة واستقرارها.

وأوضح أن المواجهة المصرية لم تقتصر على الإجراءات الأمنية والعسكرية، وإنما امتدت إلى مسارات التنمية باعتبارها أحد العناصر المهمة في معالجة جذور التحديات، من خلال تنفيذ مشروعات تنموية في سيناء وضخ استثمارات بمئات المليارات من الجنيهات، وفقًا لما ذكره.

وأضاف أن التعامل مع التهديدات التي تواجه الدول يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين الجوانب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة أن التنمية وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل تمثل عناصر مؤثرة في دعم استقرار المجتمعات وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات.

وتبرز هذه التجربة أهمية الربط بين الإجراءات الأمنية والتنموية، باعتبارهما مسارين متكاملين في التعامل مع التحديات التي قد تؤثر على الأمن والاستقرار، وعدم الاكتفاء بمواجهة التهديدات بعد ظهورها، وإنما العمل أيضًا على معالجة العوامل المرتبطة بها.

حروب الأجيال الخامسة والسادسة والسابعة

وفي حديثه عن حروب الأجيال الخامسة والسادسة والسابعة، أكد الشهاوي أنها ترتبط، وفقًا لتصوره، بمحاولات التأثير على الفكر والوعي النفسي للمجتمعات، بدلًا من الاعتماد فقط على احتلال الأراضي والسيطرة العسكرية المباشرة.

وأوضح أن هذه الحروب تقوم على ثلاثة محاور رئيسية، يأتي في مقدمتها محور الحرب الإعلامية، الذي يستهدف التأثير على الوجدان وصياغة الفكر المجتمعي وتوجيه اتجاهات الرأي العام، ويتمثل المحور الثاني في الحرب السيبرانية، التي تتجاوز استهداف المواقع الإلكترونية إلى المخاطر المحتملة التي قد تطول البنية التحتية الحيوية، مثل شبكات الكهرباء ومحطات المياه والمستشفيات والاتصالات.

أما المحور الثالث فيتمثل في الحرب النفسية، التي تستهدف التأثير على الروح المعنوية للمجتمعات، وبث مشاعر الإحباط وفقدان الثقة، بما قد ينعكس على تماسك الجبهة الداخلية وقدرة المواطنين على التعامل مع التحديات.

 شدد اللواء محمد الشهاوي على أهمية تعزيز الوعي الوطني وتطوير منظومات التأمين السيبراني، لمواجهة المخاطر المتزايدة المرتبطة بالتكنولوجيا والفضاء الرقمي، مؤكدًا أن حماية المجتمعات تتطلب استعدادًا مستمرًا لمواكبة التحولات في طبيعة الصراعات.