رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

بهاء طاهر.. وطن يسافر داخل صاحبه

بوابة الوفد الإلكترونية

في ذكراه التي حلت أمس ٢٧ أكتوبر، يلوح سؤال في الأفق، هل يعد المنفى في عالم بهاء طاهر الروائي نقيضًا للوطن أم أنه  اختبار قاسٍ لمعنى الانتماء؟
والواقع أن الشخصيات التي تتحرك في رواياته لا تعاني دائمًا من الابتعاد عن المكان بقدر ما تواجه عجزها عن استعادة علاقتها القديمة به، بعد أن تتدخل الهزائم والتحولات السياسية وخيبات الحياة لتعيد تشكيل وعيها، وتضعها أمام حقيقة أكثر تعقيدًا من مجرد الحنين إلى أرض غائبة؛ وهي أن الإنسان ربما يعود إلى وطنه، لكنه لا يعود بالضرورة إلى نفسه التي تركها فيه.
من هذه الزاوية نقرأ معا تجربة بهاء طاهر، الذي عاش سنوات في جنيف بعد منعه من الكتابة في منتصف السبعينيات، قبل أن يعود إلى مصر عام 1995، فالغربة في بعض أعماله ليست مجرد تجربة مكانية، إنها مدخل إلى أسئلة الانتماء والذاكرة والهزيمة، التي تتغير ملامحها من رواية إلى أخرى دون أن تفقد صلتها بالإنسان الذي يحاول أن يجد موضعه في عالم تتبدل فيه المعاني التي اطمأن إليها طويلًا.
ففي «الحب في المنفى»، يضع بهاء طاهر بطله، الصحفي المصري الذي يعيش في مدينة أوروبية، أمام تداخل الخيبة الشخصية والانكسار السياسي، على خلفية الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ومذبحة صبرا وشاتيلا، فيصبح المنفى أكثر من مكان بعيد عن الوطن، إذ يجد الإنسان نفسه محاصرًا بماضٍ وأحلام لم يعد الواقع قادرًا على احتضانها، بينما تبدو محاولة الحب لاستعادة المعنى جزءًا من صراع أوسع مع عالم تتراجع فيه الثوابت وتتسع المسافة بين ما يؤمن به المرء وما يستطيع تغييره.
وتتخذ هذه المسافة شكلًا آخر في «واحة الغروب»، حيث يصل الضابط محمود عبد الظاهر إلى سيوة في أواخر القرن التاسع عشر، مثقلًا بهزيمة الثورة العرابية وأزمته مع ذاته، فيغدو المكان البعيد مساحة لمواجهة الماضي أكثر منه ملاذًا منه، وكأن الرحيل لا يحرر الإنسان مما حدث، بل يضعه في مواجهة أكثر قسوة مع ما يحمله داخله، أما في «خالتي صفية والدير»، فيتسع معنى الوطن ليشمل العلاقات الإنسانية التي تجمع أبناء المكان الواحد، حين تصبح مشاعر الثأر والانتقام خطرًا يهدد ما بنته سنوات الجوار والتعايش، لتصير حماية الإنسان للإنسان وجهًا آخر من وجوه الانتماء.
وعلى اختلاف هذه العوالم، لا يبدو الوطن عند بهاء طاهر مجرد أرض يعود إليها الغائب، لكنه علاقة متحركة بين الإنسان وذاكرته وتاريخه والآخرين، علاقة قد تتعرض للاهتزاز بفعل الهزائم والتحولات، دون أن تفقد قدرتها على استدعاء الحنين أو إثارة الأسئلة، فالغربة قد تبدأ خارج الحدود، لكنها تستطيع أن تتسلل إلى الداخل، والعودة قد تعيد الإنسان إلى المكان، لكنها لا تضمن له استعادة صورته القديمة فيه، لأن السنوات تغير الطرفين معًا، وتترك بينهما مسافة لا تستطيع الجغرافيا وحدها أن تلغيها.
ولعل ما يستحق التوقف أمامه في عالم بهاء طاهر الروائي أن الانتماء لا يبدو كحقيقة مستقرة يمتلكها الإنسان لمجرد أنه ينتمي إلى أرض بعينها، بل باعتباره تجربة يعاد اختبارها كلما اصطدم المرء بما يناقض أحلامه أو يهدد صلته بالآخرين، ومن هنا يصبح السؤال الذي تتركه روايات بهاء طاهر مفتوحًا أبعد من الحنين إلى الوطن هو هل نشتاق إلى المكان كما هو، أم إلى أنفسنا حين كنا نعيش فيه، قبل أن تعيد التجارب تشكيل وعينا وتكشف لنا أن بعض المسافات لا تنشأ بين البلدان، وإنما بين الإنسان وصورته القديمة عن العالم؟