رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

تقدر بمليارى متر مكعب سنويًا:

الأمطار والسيول.. الخير قادم من الشمال والجنوب

بوابة الوفد الإلكترونية

الساحل الشمالى يستقبل الموسم بالتهليل.. ومخاوف جنوبية موسمية من مخاطر السيول

خبراء: كميات المياه تزيد الموارد الطبيعية وإنشاء السدود والمخرات والمصائد ضرورة

رى الحدائق وتغذية الخزانات الجوفية أهم أوجه الاستفادة منها.. واستخدامها فى الزراعة جائز بشروط

 

مع بداية الخريف والشتاء، تعود الأمطار والسيول إلى المشهد، فبعد أمطار الخير التى شهدتها محافظات الشمال فى الفترة الماضية، بدأت السيول فى الجنوب انطلاقا من حلايب وشلاتين وجبال البحر الأحمر، ومع بدء موسم الأمطار والسيول تبدأ المحافظات وأجهزة المدن المعنية استعداداتها المكثفة لمواجهة تجمعات المياه التى قد تتحول فى ساعات قليلة إلى خطر يهدد الطرق والمنازل والممتلكات.

هذا ليس الوجه الوحيد لمياه الأمطار، فبينما قد تتسبب السيول فى خسائر وأضرار، يمكن للمياه نفسها أن تمثل موردا مهما إذا جرى التخطيط لحصادها وتخزينها والاستفادة منها، خاصة فى ظل ما تواجهه مصر من تحديات مرتبطة بالموارد المائية وتغير المناخ.

وبين مخرات السيول والسدود والبحيرات الصناعية، ومشروعات الحماية والإنذار المبكر، تتشكل منظومة للتعامل مع مياه الأمطار والسيول، والتى لا تقتصر على الحد من مخاطرها، وإنما تفتح الباب أمام الاستفادة منها كمورد مائى وبيئى.

خطر ولكن

وفقا لتقديرات الخبراء تقدر كميات مياه الأمطار والسيول التى تسقط على مصر بحوالى مليارى متر مكعب سنويا ولا يستفاد إلا بالقليل منها.

د. محمد نصر علام
د. محمد نصر علام

ولكن الدكتور محمد نصر علام، وزير الرى والموارد المائية الأسبق، كان له رأى آخر فهو يرى أن كميات مياه الأمطار التى تسقط على مصر هامشية، مشيرًا إلى أن العمق المطرى المتوسط لا يتجاوز أكثر من ٢٠ ملم (٢ سم)، وذلك مقارنة بتلك الموجودة فى معظم دول حوض النيل، حيث يصل العمق المطرى هناك بين ٥٠ و١٠٠ سم.

ولفت «علام» إلى أن هناك عدد من مناطق تركز السيول مثل: الوديان، خاصة فى سيناء وصعيد مصر، وكذلك فى محافظة قنا، موضحًا أن هذه المناطق تضم سدودًا لحجز مياه السيول وتكوين بحيرات تخزينية، بهدف حماية المدن والمزروعات من أخطار السيول، فضلًا عن المساهمة فى تغذية المخزون الجوفى بالمياه للاستفادة منها فى الأغراض المختلفة.

ونوه وزير الرى الأسبق إلى احتمالية وجود تجاوزات فى استخدام المياه الجوفية، رغم وجود قوانين ولوائح تنظم عمليات حفر الآبار وتشغيلها، بما يستدعى الاهتمام بمتابعة الالتزام بالضوابط المنظمة لاستخدام هذه الموارد المائية واستغلالها الاستغلال الأمثل.

د. ضياء القوصى
د. ضياء القوصى

على الجانب الآخر يقف الدكتور ضياء القوصى، خبير المياه ومستشار وزير الرى الأسبق، مؤكدا أن كميات مياه الأمطار والسيول التى تسقط على مصر تقدر بحوالى مليارى متر مكعب سنويا ولا يستفاد إلا بالقليل منها، بينما يفقد ما تبقى إما بالبخر أو بالصرف إلى البحرين المتوسط والأحمر، مشيرا إلى إن السيول فى مصر لها تاريخ طويل، إذ يمكن أن تحدث فى أى وقت وفى أى مكان، وقد تترتب عليها آثار تدميرية تتسبب فى خسائر بالأرواح والممتلكات، لكنها فى الوقت نفسه يمكن أن تحقق فوائد ذات قيمة إذا جرى التعامل مع مياهها والاستفادة منها بعد خفض آثارها التدميرية.

وأوضح أن أهم المناطق التى تحدث فيها السيول هى سيناء والبحر الأحمر وجنوب الوجه القبلى، مشيرا إلى أن ذلك لا يمنع تعرض مناطق الدلتا للسيول، كما حدث فى عام 2015.

وأضاف أن الدولة لديها عدة إجراءات للتعامل مع السيول، من بينها مشروعات البنية الأساسية التى تشمل مخرات السيول، وسدود الإعاقة، والسدود التحويلية، وسدود التخزين، لافتا إلى أن هذه الأعمال مرتفعة التكلفة، وقد لا تستخدم إلا مرة واحدة كل عشرات السنين عندما تضرب السيول المنطقة التى أقيمت فيها.

وأشار «القوصى» إلى أن الإنذار المبكر يعد أحد الوسائل المهمة للتعامل مع السيول، إلا أن ذلك يعتمد على إمكانية التنبؤ المبكر بتوقيت وكثافة ومواقع هطول الأمطار

وأكد أن الدور الرئيسى فى التعامل مع السيول تقوم به وزارة الرى، من خلال المهندسين والباحثين المنتشرين فى أنحاء البلاد، بالتعاون مع أجهزة الحكم المحلى وهيئة الأرصاد الجوية والبيئة والحماية المدنية وغيرها من الجهات المعنية.

منظومة الموارد الطبيعية

د. مصطفى الشربينى
د. مصطفى الشربينى

واستكمل الحديث السفير مصطفى الشربينى، رئيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية، مشيرا إلى أن بداية موسم الشتاء تستدعى تغيير النظرة إلى الأمطار والسيول، بحيث لا يتم التعامل معها باعتبارها مجرد أزمة موسمية تستدعى شفط المياه وفتح الطرق، وإنما باعتبارها جزءا من منظومة الموارد المائية التى يمكن إدارتها والاستفادة منها، خاصة فى ظل تحديات ندرة المياه وآثار تغير المناخ، مشيرا إلى أن المياه التى يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى خطر يهدد الطرق والمنازل والبنية الأساسية، يمكن أن تتحول من خلال التخطيط المسبق والبنية التحتية المناسبة إلى مورد يستخدم فى الزراعة والتشجير ورى المساحات الخضراء وتغذية بعض الخزانات الجوفية، فضلا عن دعم المجتمعات المحلية فى المناطق الصحراوية والساحلية.

وأشار إلى أن هذا التوجه ليس نظريا، موضحا أن وزارة الموارد المائية والرى تتعامل بالفعل مع مياه الأمطار والسيول باعتبارها موردا مائيا متجددا يمكن حصاده والاستفادة منه، بالتوازى مع إقامة منشآت للحماية من أخطار السيول.

واضاف أن بيانات الوزارة تشير إلى تنفيذ نحو 1363 منشأ للحماية من أخطار السيول، بسعة تخزينية تقارب 160 مليون متر مكعب، تشمل سدودا وبحيرات صناعية وحواجز وقنوات تصريف وخزانات أرضية.

ولفت إلى أن الأمطار الطبيعية تمثل عنصرا أساسيا فى النظام البيئى، إلا أن سقوطها بكثافة خلال فترة زمنية قصيرة، خاصة فى المناطق العمرانية أو الجبلية، قد يحولها إلى سيول جارفة لها تأثيرات بيئية واقتصادية واجتماعية.

وأوضح أن السيول قد تؤدى إلى انجراف التربة وفقدان الطبقة السطحية الخصبة، كما تحمل معها الرمال والرواسب والطمى والمخلفات والملوثات الموجودة على الطرق والمناطق الصناعية والعمرانية، والتى قد تنتقل إلى المجارى المائية أو الأراضى الزراعية أو المناطق الساحلية.

وفى المناطق الجبلية والصحراوية أوضح أن سرعة المياه وقوتها تصبح عامل خطر كبير، نظرا لأن السيول الومضية يمكن أن تتحرك بسرعة عبر الأودية ومخرات السيول، مؤكدا أن التعدى على المخرات الطبيعية أو البناء داخل مساراتها يمثل خطرا يجب التعامل معه بصرامة.

وأكد «الشربينى» أن الهدف لا ينبغى أن يكون التخلص من مياه الأمطار بأسرع وسيلة ممكنة، وإنما إدارتها من خلال تحديد مكان سقوطها وكمياتها وجودتها، وأماكن تخزينها والاستخدام الأنسب لها.

وأشار إلى أن كل متر مكعب من المياه يمكن حصاده بطريقة آمنة يمثل قيمة بيئية واقتصادية، خاصة عندما تسقط المياه فى مناطق تعانى أصلا من محدودية الموارد المائية، وأن استراتيجية وزارة الموارد المائية والرى تشير إلى أهمية مياه الأمطار والسيول، خاصة فى الساحل الشمالى الغربى وسيناء ومناطق البحر الأحمر، لافتا إلى استخدامها تاريخيا فى بعض المجتمعات فى الشرب والزراعة والأنشطة المحلية، داعيا إلى الانتقال تدريجيا من مفهوم التخلص من مياه الأمطار إلى مفهوم إدارتها وحصادها وإعادة استخدامها.

استخدامات المياه

وأضاف «الشربينى» أن هناك استخدامات متعددة لمياه الأمطار والسيول، لكنها تختلف وفقا لجودة المياه وطبيعة المنطقة، موضحا إمكانية تجميع مياه الأمطار فى خزانات أو بحيرات صناعية واستخدامها فى التشجير ورى المساحات والأحزمة الخضراء، خاصة فى المدن الجديدة والمناطق الصحراوية.

وأنه يمكن استخدام مياه الأمطار فى بعض الأنشطة الزراعية بعد التأكد من ملاءمة نوعية المياه للمحاصيل والتربة، كما يمكن توجيه جزء منها إلى منشآت مخصصة لتغذية الخزانات الجوفية عندما تسمح الخصائص الهيدروجيولوجية بذلك.

وأشار إلى إمكانية استخدام المياه المحصودة فى بعض الأغراض غير المخصصة للشرب، مثل تنظيف الطرق ورى الحدائق، بما يقلل الضغط على مصادر المياه الأعلى جودة وأوضح أن الأمر يصبح أكثر أهمية فى المناطق الصحراوية والبدوية، حيث يمكن أن تسهم السدود الصغيرة والحواجز وبحيرات التخزين فى توفير مصدر مائى يساعد السكان والأنشطة الزراعية والرعوية.

وشدد «الشربينى» على أنه لا يمكن اعتبار كل مياه أمطار مجمعة صالحة تلقائيا للزراعة، موضحا أن المياه التى تسقط مباشرة على مناطق نظيفة تختلف فى جودتها عن المياه التى تجرى فوق طريق مزدحم أو منطقة صناعية أو سطح ملوث.

ولفت إلى ضرورة تقييم مصدر المياه ودرجة التلوث والملوحة والمواد العالقة والخصائص الكيميائية والميكروبيولوجية عند الحاجة، ثم تحديد الاستخدام الملائم لها، مشيرا إلى أهمية تطبيق مفهوم «الاستخدام الملائم للغرض».

وأوضح أن تغذية الخزانات الجوفية بمياه الأمطار والسيول تعد من الحلول المهمة، لكنها ليست عملية عشوائية، إذ يجب أولا دراسة طبيعة الخزان الجوفى ونفاذية التربة واتجاه حركة المياه الجوفية ونوعية مياه السيول ومصادر التلوث المحيطة، مع وجود نظم للترسيب أو المعالجة الأولية عند الضرورة. موضحا أن معالجة تلوث المياه الجوفية لاحقا أكثر تعقيدا وتكلفة من منع التلوث من البداية.

وأضاف أن الإسكندرية ومدن الساحل الشمالى والدلتا تحتاج إلى التركيز على قدرة شبكات تصريف مياه الأمطار، والحلول القائمة على الطبيعة، والأسطح والمناطق القابلة للنفاذ والخزانات، وإعادة الاستخدام الحضرى للمياه، أما مطروح والساحل الشمالى الغربى، فأشار إلى وجود فرص للتوسع فى حصاد مياه الأمطار لدعم المجتمعات المحلية والزراعة، لافتا إلى وجود توجه لدراسة نظم متكاملة لحصاد مياه الأمطار والسيول فى محافظة مطروح.

وفى سيناء والبحر الأحمر، أوضح أن طبيعة المخاطر تختلف، إذ يأتى الخطر الأكبر من السيول الومضية عبر الأودية والمناطق الجبلية، ولذلك تصبح السدود والحواجز وبحيرات التخزين ومخرات السيول والإنذار المبكر عناصر رئيسية فى منظومة الحماية والاستفادة من المياه.

أما القاهرة والجيزة والمدن الكبرى، فأكد ضرورة دمج إدارة مياه الأمطار فى التخطيط العمرانى نفسه، وليس التعامل معها فقط من خلال سيارات شفط المياه بعد سقوط المطر، بحيث تصبح المبانى والطرق ومواقف السيارات والمساحات الخضراء جزءا من البنية التحتية المائية للمدينة.

التكيف مع تغير المناخ

وأكد الدكتور مصطفى الشربينى أن تغير المناخ يفرض إعادة تصميم المدن والبنية الأساسية على أساس أن الأنماط المناخية السابقة ليست بالضرورة مؤشرا كافيا للمستقبل، موضحا أنه قد تحدث فترات جفاف أطول تتخللها أمطار أكثر كثافة خلال فترات زمنية قصيرة.

وأشار إلى أن إدارة مياه الأمطار والسيول تمثل نموذجا واضحا للتكيف مع تغير المناخ، من خلال تقليل التعرض للمخاطر وزيادة قدرة المجتمعات والبنية الأساسية على الصمود والاستفادة المستدامة من الموارد المتاحة.

واختتم بالتأكيد على أن الهدف لا ينبغى أن يكون فقط عبور موسم الشتاء بأقل قدر من الخسائر، وإنما بناء منظومة تجعل كل قطرة مياه جزءا من التخطيط المائى للدولة، من خلال الجمع بين الإنذار المبكر وحماية مخرات السيول والبنية التحتية المرنة وحصاد مياه الأمطار وإعادة الاستخدام الآمن والتغذية المدروسة للمياه الجوفية.