هوامش
هناك قضايا لا ينبغى أن تمر مرور الكرام، وحوادث لا يجوز أن تتحول إلى مجرد تريند على مواقع التواصل الاجتماعى، ثم نطوى صفحاتها وكأن شيئًا لم يكن. ومن بين هذه القضايا المؤلمة تأتى مأساة الطفلة سلسبيل، التى أُثيرت قضيتها عقب تعرضها لهجوم من الكلاب فى أكتوبر، لتضعنا جميعًا أمام سؤال مؤلم: من يحمى الإنسان حين يصبح خائفًا على حياته فى الشارع؟ ومن يعيد إلى أطفالنا حقهم الطبيعى فى اللعب والسير بأمان؟
ما إن تقع حادثة مؤلمة حتى تشتعل مواقع التواصل الاجتماعى بسجال حاد بين فريق يدافع عن حقوق الحيوان ويدعو إلى الرفق به، وفريق آخر يطالب بحماية المواطنين من هجمات الكلاب الضالة. وبين هذا وذاك، يضيع أحيانًا جوهر القضية، وتتحول المطالب إلى معركة كلامية، بدلًا من أن تكون بداية لتحرك جاد ينهى الأزمة.
والحقيقة أن الرفق بالحيوان قيمة إنسانية لا يمكن إنكارها، لكن حماية الإنسان من الخطر واجب لا يقبل التأجيل. فلا يجوز أن نضع المواطن فى مواجهة الخوف على حياته، ثم نطالبه بالصبر والتعايش مع خطر يهدد سلامته وسلامة أبنائه.
إن السؤال ليس: هل نرحم الحيوان أم نحمى الإنسان؟ بل السؤال الحقيقى هو: كيف نحمى الإنسان ونرفق بالحيوان فى الوقت نفسه، دون أن يكون ثمن هذا التوازن حياة طفل أو إصابة مواطن؟
إن حياة الإنسان وسلامته يجب أن تكونا فى مقدمة أولويات الدولة، وهذا لا يتعارض مع التعامل الرحيم والمسئول مع الحيوانات. فالدولة القادرة على حماية مواطنيها مطالبة بوضع حلول علمية وإنسانية، لا بالاكتفاء ببيانات التهدئة أو انتظار وقوع مأساة جديدة.
لقد أصبح مشهد تجمع الكلاب الضالة فى بعض المناطق السكنية مصدر قلق حقيقى للأهالى، خصوصًا عندما تتحرك فى مجموعات، أو تنتشر بالقرب من المدارس ومداخل العقارات والحدائق والطرقات التى يسلكها الأطفال يوميًا.
والمشكلة لا تتوقف عند مجرد الخوف من النباح أو المطاردة؛ فالهجوم قد يتسبب فى إصابات بالغة، كما أن العضات والخدوش التى قد تنقل عدوى السعار تستدعى تدخلًا طبيًا عاجلًا، وقد يؤدى التأخر فى الوقاية والعلاج إلى عواقب مميتة.
تخيلوا طفلًا يخرج لشراء احتياجات أسرته، أو تلميذًا يعود من مدرسته، أو مسنًا يسير فى طريقه، فيجد نفسه محاصرًا بمجموعة من الكلاب، لا يملك وسيلة للدفاع عن نفسه، ولا يجد من ينقذه فى لحظات الخطر.
وتزداد المخاوف فى الشوارع المظلمة، حيث تقل الحركة ويصعب طلب المساعدة. فهل يُعقل أن يصبح خروج المواطن من منزله ليلًا مغامرة غير محسوبة؟ وهل من الطبيعى أن يعيش الأب والأم فى قلق دائم على أبنائهما بسبب خطر يمكن التعامل معه من خلال التخطيط والرقابة والتدخل الفعال؟
الأمان فى الشارع ليس رفاهية، بل حق أساسى لكل مواطن، والطفل الذى يخشى الخروج من منزله ليس طفلًا يعيش فى بيئة آمنة.
وهنا أطرح فكرة تستحق النقاش الجاد: لماذا لا تتبنى مؤسسات المجتمع المدنى إنشاء كيان يُعنى بالرفق بالإنسان وحمايته من المخاطر اليومية، على غرار الجمعيات التى تعمل فى مجال الرفق بالحيوان؟
إننى أدعو إلى إنشاء جمعية للرفق بالإنسان وحماية الأطفال من المخاطر المجتمعية، تكون مهمتها رصد المشكلات التى تهدد سلامة المواطنين، ومتابعة شكاوى الأهالى، والتواصل مع الجهات المختصة، وتقديم الدعم والتوعية للأسر المتضررة، والمطالبة بحلول عملية ومستدامة.
ولا يعنى هذا الدعوة إلى الصدام مع جمعيات الرفق بالحيوان أو التشكيك فى الجميع، فهناك من يعمل بإخلاص، ويؤدى دورًا مهمًا فى حماية الحيوانات ورعايتها. لكن من حق المجتمع أيضًا أن يطالب بالشفافية والمساءلة، وأن يرفض استغلال أى قضية إنسانية أو حقوقية لتحقيق مصالح شخصية أو مكاسب غير مشروعة.
فحقوق الإنسان ليست أقل شأنًا من حقوق الحيوان، وحماية الطفل ليست قضية هامشية يمكن تأجيلها، وسلامة المواطنين يجب ألا تضيع وسط الخلافات والشعارات.
إننا بحاجة إلى مجتمع مدنى متوازن، يرحم الحيوان، ويحمى الإنسان، ويضع حدًا لأى استغلال، ويجعل حياة المواطنين وأمنهم فى صدارة اهتماماته.
إن مقتل طفلة أو إصابة طفل بسبب هجوم الكلاب ليس مجرد خبر عابر، بل جرس إنذار يجب أن يسمعه المسئولون قبل أن تتكرر المأساة. فلا ينبغى أن ننتظر وقوع حادث جديد حتى تتحرك الجهات المعنية، ولا أن نكتفى بالتعاطف على مواقع التواصل الاجتماعيةى ثم نعود إلى الصمت.
كما أن مواجهة انتشار الكلاب الضالة لا تعنى القسوة عليها أو التعامل معها باعتبارها عدوًا، وإنما تعنى إدارة الملف بمسئولية، والحد من التكاثر غير المنضبط، ومنع مصادر الخطر، وتطبيق القانون، وتوفير وسائل الحماية والوقاية، ومحاسبة الجهات المقصرة وفقًا للقواعد المعمول بها.
وأوجه كلمة إلى الحكومة، وإلى المحافظين ورؤساء الأحياء، وإلى كل مسئول يملك سلطة التحرك: افتحوا هذا الملف بجدية، وانزلوا إلى الشوارع، واستمعوا إلى الأهالى، وضعوا خطة معلنة بجدول زمنى واضح، وتابعوا تنفيذها على أرض الواقع.
إن المواطن لا يطلب المستحيل، بل يطلب أن يسير فى الشارع آمنًا، وأن يذهب طفله إلى المدرسة ويعود منها دون خوف، وأن يتمكن كبار السن من قضاء احتياجاتهم دون أن يواجهوا خطرًا يهدد حياتهم.
ويبقى السؤال الذى يجب أن يظل حاضرًا أمام كل مسئول: كم مأساة أخرى نحتاج إليها حتى تصبح حماية أطفالنا من الكلاب الضالة أولوية لا تقبل التأجيل؟
فالرفق بالحيوان فضيلة، لكن الرفق بالإنسان وحماية حياته واجب لا يجوز التفريط فيه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض