رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

تعيشى يا بلدى



إلى متى يظل المواطن المصري مهددا في حياته، وهو يقف أمام بيته،أو متجها لعمله أو حتى إلى المسجد أو الكنيسة لأداء الصلاة؟ وإلى متى يظل اولادنا مهددين وهم متجهين إلى مدارسهم أو جامعاتهم وإلى متى تظل شوارعنا ساحات للخوف، بسبب الانتشار المخيف للكلاب الضالة، بينما تقف الحكومة مكتوفة الايدى مكتفية ببعض التصريحات والوعود، وتظل المشكلة قائمة، يدفع ثمنها الأبرياء من دمائهم وأرواحهم؟!
لم تكن مأساة الطفلة سلسبيل، التي لم يتجاوز عمرها عامًا ونصف العام، مجرد حادث عابر يمكن أن نطويه بالنسيان بعد أيام، وإنما جرس إنذار جديد يدق بعنف في وجه كل مسؤول، ويضع الحكومة أمام سؤال لا يحتمل التأجيل: من يحمي المصريين من خطر الكلاب الضالة؟
في حدائق أكتوبر بمحافظة الجيزة، خرجت الطفلة الصغيرة لتلهو أمام منزل أسرتها، كما يفعل آلاف الأطفال كل يوم، لكنها لم تعد إلى حضن أمها، بعدما تعرضت لهجوم من كلاب ضالة نهشت جسدها الضئيل وأودت بحياتها، في مأساة إنسانية موجعة هزت مشاعر المصريين وأعادت إلى الواجهة قضية لم تعد تحتمل الصمت أو التسويف.
أي ذنب ارتكبته سلسبيل حتى تدفع حياتها ثمنا لمشكلة عجزت الحكومة عن وضع حد لها؟ 
وأي منطق يقبل أن يتحول اللعب أمام المنزل إلى مغامرة محفوفة بالموت، وأن يصبح خروج الأطفال إلى الشوارع مصدر رعب لأسرهم بدلاً من أن يكون حقا طبيعيا من حقوق الطفولة؟
الأرقام وحدها تكشف حجم الكارثة التى يعانى منها المجتمع المصري، فقد أعلنت وزارة الصحة والسكان تسجيل نحو مليون و400 ألف حالة عقر خلال عام 2025، مقارنة بنحو مليون و200 ألف حالة على الأقل في أعوام سابقة، فيما بلغت تكلفة توفير اللقاحات والأمصال اللازمة للتعامل مع هذه الحالات نحو 1.7 مليار جنيه خلال العام نفسه. أما أعداد الكلاب الضالة، فليس هناك حصر دقيق بأعدادها ولكن التقديرات تتراوح بين 8 و14 مليون كلب، بينما أشارت الهيئة العامة للخدمات البيطرية إلى أن عدد الكلاب الضالة ما بين 10 و12 مليون كلب. وهي أرقام تقديرية تستدعي إعلان إحصاء وطني موحد ومحدث، لكنها، مع تزايد حالات العقر المسجلة، تطرح سؤالا ملحا، إلى متى يستمر هذا نزيف الدماء دون حل حاسم يحمي المواطنين؟
إن دماء الطفلة سلسبيل ليست مجرد خبر مؤلم تتناقله وسائل الإعلام، وإنما مسؤولية تستوجب المحاسبة، ومناسبة لفتح ملف انتشار الكلاب الضالة بكل ما يحمله من أبعاد أمنية وصحية واجتماعية، بعيدا عن المسكنات الحكومية عقب وقوع الكارثة، ثم تخفت تدريجيا حتى تقع كارثة جديدة.
المشكلة ليست في غياب التحذيرات، وإنما في غياب الحل الجذري.
فقد تكررت شكاوى المواطنين في مناطق عديدة من تجمعات الكلاب الضالة، وما تسببه من خوف على الأطفال وكبار السن والمارة، فضلًا عن مخاطر العقر والأمراض التي قد تنتقل من خلاله، وفي مقدمتها السعار. ومع كل واقعة جديدة، ترتفع الأصوات المطالبة بالتدخل، ثم نعود إلى السؤال نفسه: أين كانت الأجهزة المعنية قبل وقوع الحادث؟ ولماذا لا تتحرك بصورة استباقية بدلاً من انتظار سقوط الضحايا؟
والأكثر إيلاماً أن بعض المدافعين عن حقوق الحيوان يتعاملون مع هذه القضية وكأنها معركة بين من يحبون الحيوانات ومن يكرهونها، متجاهلين أن القضية الحقيقية هي حق الإنسان في الحياة والأمان داخل محيط سكنه، وحق الطفل في اللعب، وحق الأسرة في ألا تعيش أسيرة الخوف من خروج أبنائها إلى الشارع.
نحن لسنا ضد الرحمة بالحيوان، ولا ندعو إلى تعذيبه أو التنكيل به، فالتعامل الإنساني مع الحيوانات واجب أخلاقي، لكن الرحمة لا تعني ترك الخطر في الشوارع، ولا تعني مطالبة المواطنين بالتعايش مع أوضاع تهدد حياتهم، ولا يجوز أن تتحول حقوق الحيوان إلى ذريعة لتجاهل حقوق الإنسان.
أما الادعاء بأن كل الكلاب الضالة مسالمة، وأن المخاوف من انتشارها مبالغ فيها، فهو تعميم لا يصمد أمام الوقائع المؤلمة التي شهدتها البلاد. فليس مطلوبًا أن تكون كل الكلاب عدوانية حتى نعترف بوجود مشكلة، وليس من المنطقي انتظار سقوط مزيد من الأطفال حتى نقتنع بأن بعض التجمعات تحتاج إلى تدخل عاجل ومدروس.
وهنا يجب أن نطرح السؤال بوضوح على  هل تملك الحكومة خطة حقيقية للتعامل مع الظاهرة، أم أننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من الشكاوى والحوادث والحملات المؤقتة؟
إن مواجهة المشكلة لا تتحقق ببيانات الإدانة ولا بتبادل الاتهامات بين المواطنين والمدافعين عن الحيوان، وإنما تحتاج إلى برنامج  واضح، تشارك فيه مديريات الطب البيطري ووزارت الصحة والتنمية المحلية، والمحافظات وأجهزة المدن، وتُحدد فيه مسؤولية كل جهة، مع توفير الإمكانات اللازمة للتنفيذ.
نحن بحاجة إلى حصر علمي لتجمعات الكلاب الضالة، ورصد المناطق الأكثر خطورة، والتحرك الفوري للتعامل مع الكلاب التي تظهر سلوكًا عدوانيا أو تمثل خطراً وشيكا على المواطنين، وتوسيع برامج التحصين والتعقيم والملاجئ المناسبة، ومراقبة مصادر الغذاء والنفايات التي تجذب التجمعات إلى المناطق السكنية.

والأهم من ذلك كله، ألا تنتهي التحركات بمجرد انحسار الغضب الشعبي، وألا تتحول مأساة سلسبيل إلى عنوان جديد فى سلسلة من الحوادث الدامية يُنسى بعد أيام، بينما يظل الخطر قائما في الشوارع نفسها.
إننا نريد حلولًا علمية وإنسانية، لكننا نريد أيضًا حسمًا في التنفيذ ومحاسبة على التقصير. فالدولة التي تحترم حياة مواطنيها لا تنتظر أن تتحول كل شكوى إلى مأساة، ولا تكتفي بإزالة آثار الكارثة بعد وقوعها، وإنما تتحرك لمنعها قبل أن تقع.
وأقول لكل من يرفع شعار حقوق الحيوان: لا أحد يطلب منك التخلي عن الرحمة، لكن الرحمة الحقيقية لا تعرف الانتقائية، ولا تمنح الحيوان حقًا على حساب طفل لا يستطيع الدفاع عن نفسه. وإذا كانت حياة الحيوان تستحق الحماية، فإن حياة الإنسان أولى بهذه الحماية 
رحلت سلسبيل، لكن السؤال الذي تركته خلفها لا يزال حيًا: من المسؤول عن حماية أطفالنا؟
والمجتمع بأكمله وإلى متى تظل الحكومة عاجزة عن مواجهة الانتشار المخيف للكلاب، بينما تتكرر الحوادث وتتسع دائرة الخوف؟ وهل تنتظر الحكومة ضحية جديدة حتى تتحرك، أم أن دماء هذه الطفلة الصغيرة ستكون بداية النهاية لهذه الأزمة؟